الرد على اعجاز ماشطة ابنة فرعون
هل كانت ماشطة ابنة فرعون مهنة مجهولة في مصر القديمة؟ نستعرض الشواهد التي تثبت وجود هذه المهنة في الحضارات القديمة، ونفند دعوى الإعجاز التاريخي في الرواية.
عرض الحجة
يستدل أصحاب هذا الإعجاز التاريخي بحديث ابن عباس في مسند أحمد، الذي يروي أن النبي شمّ ليلة الإسراء رائحة طيبة، فسأل جبريل عنها، فأخبره أنها رائحة «ماشطة ابنة فرعون» وأولادها، ثم قصّ عليه خبرها مع فرعون.
ويقوم وجه الإعجاز عندهم على أن الحديث لم يذكر المرأة باسمها، وإنما عرّفها بمهنتها: «الماشطة». وتقوم الحجة على اعتبار هذه المهنة وظيفة خاصة في القصر الملكي، وأنها مما لم يكن معروفًا في البيئة العربية، ولم يرد في التوراة أو الروايات المتداولة عن قصة فرعون. ويُستشهد في هذا السياق باكتشاف أثري حديث في مقبرة الملكة نفرّو بطيبة، يعود إلى عصر الأسرة الحادية عشرة (نحو 2008–1957 ق.م.)، إذ تصوّر النقوش امرأتين تُدعيان «إنو» و«هنوت» تعملان في تصفيف شعر الملكة، وتحمل كل منهما لقبًا يدل على عملها كـ«ماشطة».
Reconstruction of the hairdressing scene in the Tomb of Neferu. available here
ومن هنا تُبنى النتيجة: كيف أمكن لنبي أمي، في القرن السابع الميلادي، أن يعرف وجود هذه المهنة في البلاط المصري القديم، وأن يذكرها في قصة امرأة منسوبة إلى قصر فرعون، قبل اكتشاف النقوش المصرية بقرون طويلة؟ ويرى أصحاب الإعجاز أن اجتماع هذه التفاصيل لا يمكن تفسيره بالمعرفة البشرية المتاحة آنذاك، وأن مصدرها لا يكون إلا الوحي.
تحليل بنية الإستدلال
قبل بيان شهرة هذه المهنة في البلاط الملكي المصري من مؤرخ سابق للإسلام، يوجد سؤال مهم ينبغي طرحه أولا: هل مجرد ذكر شيءٍ ما في نص قديم، ثم اكتشافه بعد ذلك في حضارة معينة، يكفي لكي نقول إن المتكلم عرفه من طريق غير عادي؟ (الوحي مثلا)
لنفترض مثلا أن شخصًا قال إن في قصر فرعون طاولات وكراسي، ثم اكتشف علماء الآثار بعد ذلك أثاثًا من هذا النوع في أحد القصور المصرية. هل سيكون هذا دليلًا على معرفة غيبية؟
بالطبع لا. فوجود الأثاث في المباني و القصور أمر طبيعي، ولا يحتاج إلى وحي حتى نعرفه.
والأمر نفسه لو قيل إن في قصر فرعون طباخًا. ثم عثرنا على نقش أو وثيقة تثبت أن القصر كان فيه طباخ. لن يكون في ذلك شيء خارق؛ لأنه من الطبيعي أن يكون للقصور و بيوت الأغنياء و النخبة أشخاص يتولون أعمالًا معينة بدلًا من أن يقوم أصحابها بكل شيء بأنفسهم. وهذا نراه في صور مختلفة حتى اليوم: الطباخ، والخادم، والسائق، وغيرهم.
فإذا كان وجود الطباخ في قصر فرعون أمرًا متوقعا لا يثير الاستغراب، فلا يبدو وجود امرأة تتولى تصفيف و ظفر شعر نسائه وأميراتِه أمرًا مختلفًا. فكما يستعين أصحاب القصور بمن يُعِدّ لهم الطعام، فمن الطبيعي أن يستعينوا بمن يتولى العناية بمظهرهم، ولا سيما مشط و ظفر شعر النساء والفتيات. فهذه حاجة تقتضيها طبيعة الحياة في القصور و بيوت الأغنياء، وليس في توقع وجود من يتولاها ما يستلزم اعجازا تاريخيا.
لكن قد يُعترض بأن مهنة الماشطة ليست في شهرة الطباخ، وأن وجودها في قصر فرعون ليس بالبداهة نفسها. غير أن هذا الاعتراض يتلاشى حين نعلم أن المهنة كانت معروفة عند العرب في زمن النبي، وأن لها نظائر موثقة في حضارات قديمة، بل حتى في الأوساط الملكية وبين حاشية حكّام مصر نفسهم.
الماشطة في قصور ملوك مصر قبل الإسلام
من أهم الشواهد على شهرة مهنة الماشطة في البلاط الملكي المصري قبل الإسلام ما يورده المؤرخ اليوناني بلوتارخ (نحو 46م – بعد 119م) في كتابه حياة أنطونيوس(60.1)، ناقلًا سخرية أوكتافيان (القيصر) من خصومه في الحرب، حين قال إن الرومان يخوضون حربهم ضد:
ἐπεὶ δὲ παρεσκεύαστο Καῖσαρ ἱκανῶς, ψηφίζεται Κλεοπάτρᾳ πολεμεῖν, ἀφελέσθαι δὲ τῆς ἀρχῆς Ἀντώνιον ἧς ἐξέστη γυναικί. καὶ προσεπεῖπε Καῖσαρ ὡς Ἀντώνιος μὲν ὑπὸ φαρμάκων οὐδὲ αὑτοῦ κρατοίη, πολεμοῦσι δʼ αὐτοῖς Μαρδίων ὁ εὐνοῦχος καὶ Ποθεινὸς καὶ Εἰρὰς ἡ Κλεοπάτρας κουρεύτρια καὶ Χάρμιον, ὑφʼ ὧν τὰ μέγιστα διοικεῖται τῆς ἡγεμονίας.[1]
وترجمته:
«ولمّا أتمّ قيصر استعداداته بما فيه الكفاية، صُوِّت على شنّ الحرب على كليوباترا، وعلى تجريد أنطونيوس من السلطة التي تنازل عنها لامرأة. وأضاف قيصر قائلًا إنّ أنطونيوس قد أُخضع لتأثير العقاقير، حتى إنه لم يعد يملك زمام نفسه، وإنّ الذين يحاربونهم هم: ماردِيُون الخصي، وبوثينوس، وإيراس، مُصفِّفة شعر كليوباترا، وشارميون؛ وهؤلاء هم الذين تُدار على أيديهم أهم شؤون الحكم».
ولم يكن الحديث هنا عن امرأة عادية؛ فكليوباترا السابعة كانت ملكة مصر، واتخذت الألقاب الملكية المصرية وارتبط حكمها بالتقاليد الفرعونية.
نقش كليوباترا السابعة وابنها قيصرون في معبد دندرة [2]
وقد أورد أوكتافيان ماشطتها في سياق التهكم من معسكرها، بل ذكرها باسمها «إيراس»، مصوّرًا خصومه كأنهم ليسوا سوى مجموعة من رجال البلاط ونسائه. ومغزى الشاهد أن مهنة الماشطة كانت معروفة في محيط الحكم المصري قبل الإسلام بقرون، حتى أمكن معرفتها باسمها و توظيفها في خطاب سياسي ساخر أمام الجمهور الروماني. وعليه، فإن هذا الشاهد وحده يسقط دعوى الإعجاز التاريخي, فارتباط مهنة الماشطة بالبلاط المصري ليس معلومة تفتقر لاكتشافات اثرية حديثة من اجل معرفتها.
فصل في اشتهار مهنة الماشطة عند العرب
كانت الماشطة من أصحاب الحِرَف التي عرفها المجتمع العربي، وشهدت عليها نصوص الحديث والفقه والأدب. فقد ورد ذكرها في أحاديث تتصل بالحياة اليومية للعرب عموما و زوجات النبي خصوصا، وفي أحكام فقهية تتعامل مع مهنتها بوصفها عملًا معلومًا، كما حفظت كتب الأخبار أسماء نساء اشتغلن بتمشيط النساء وتجهيز العرائس. وهذه الشواهد، على اختلاف سياقاتها، ترسم صورة لمهنة لم تكن مجهولة عند العرب، بل كانت معروفة بما يكفي ليرد ذكرها في أكثر من باب من أبواب حياتهم.
ففي صحيح مسلم، تروي زوجة النبي أم سلمة أن ماشطة كانت تُسرّح شعرها حين سمعت النبي ينادي الناس من على المنبر، فطلبت من ماشطتها أن تكف عن تمشيط شعرها:
«كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا «سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ تَمْتَشِطُ: أَيُّهَا النَّاسُ! فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي» [3]
وهذا شاهد مهم على معرفة المهنة في حياة النبي؛ إذ يدل على أن بعض نسائه كنّ يستعنّ بمن يتولى تمشيط شعورهن.
ويؤيد ذلك خبرُ جُثامة المُزنيّة، التي زارت النبي في حضرة عائشة، فسألها عن حالها وأحسن استقبالها، ثم بيّن لعائشة سبب ذلك بقوله:
«إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» [4]
وقد صحّح الحاكم هذا الحديث، فقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [...] وليس له علة». [4] فالخبر يثبت أن جثامة كانت تأتي النبي في زمن خديجة، وإن لم يذكر في متنه أنها كانت ماشطتها.
أما تعيين مهنتها، فيورده الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة، إذ يقول:
«كَانَتْ هَذِهِ الْعَجُوزُ: مَاشِطَةَ خَدِيجَةَ، وَاسْمُهَا: جُثَامَةُ الْمُزَنِيَّةُ وَتُكْنَى أُمَّ زُفَرَ» [5]
وهذا شاهد آخر يؤيد أن مهنة الماشطة كانت معروفة عند العرب، وأنها كانت حاضرة في محيط نساء النبي قبل الإسلام.
والمقصود بالماشطة هنا ليس مجرد خادمة تتولى بعض شؤون المنزل، بل امرأة تمتهن تمشيط الشعر وتُعرف بهذه الحرفة. وهذا ما يؤكده ابن منظور في لسان العرب معرفا الماشطة:
«الْمَاشِطَةُ: الَّتِي تُحْسِنُ الْمَشْطَ، وَحِرْفَتُهَا الْمِشَاطَةُ. وَالْمَشَّاطَةُ: الْجَارِيَةُ الَّتِي تُحْسِنُ الْمِشَاطَةَ» [6]
فالتعريف يربط الماشطة صراحةً بإتقان المشط واتخاذه حرفةً، مما يؤكد أن اللفظ يدل على عمل مخصوص، لا على الخدمة المنزلية عمومًا.
ويؤكد ذلك ما أورده الإمام الشافعي (150–204هـ / 767–820م)، في كتابه الأم، إذ ذكر الماشطة ضمن أمثلة المهن التي يُعتد بها في وصف المبيع:
«أَوْ جَارِيَةٍ مَوْصُوفَةٍ عَلَى أَنَّهَا مَاشِطَةٌ كَانَ السَّلَفُ صَحِيحًا [...] إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا وَصَفْتَ غَيْرَ مَوْجُودٍ بِالْبَلَدِ الَّذِي يُسَلِّفُ فِيهِ بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ» [7]
والمقصود بالسَّلَف هنا بيع السَّلَم، وهو أن يُدفع الثمن مقدمًا على أن يُسلَّم المبيع لاحقًا. فالشاهد أن الشافعي ذكر الماشطة مثالًا مهنيًا مفهومًا في حكم فقهي، واشترط إمكان وجود من تنطبق عليها هذه الصفة في البلد. وهذا يدل على أن المهنة كانت معروفة في عصره، ولم تكن تسمية غريبة أو مجهولة.
ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن يعلى بن أمية، إذ ذكر أن النبي زوّجه امرأةً كانت، بحسب شكّه في وصفها، إما ماشطة وإما عطّارة:
«زَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً، إِمَّا مَاشِطَةً، وَإِمَّا عَطَّارَةً»[8]
وتكمن أهمية هذا الشاهد في ورود الماشطة ضمن خبر يتصل بعصر النبي، بوصفها مهنة معروفة يمكن التعريف بالمرأة من خلالها. وهو ما يعزز الشواهد السابقة على شيوع هذه الحرفة في المجتمع العربي آنذاك.
فصل في اشتهار مهنة الماشطة عند الرومان
تُعدّ الحضارة الرومانية من أبرز الحضارات التي اتصل بها العرب وتأثروا ببعض مظاهر حياتها، ولا سيما عرب بلاد الشام الذين خالطوا الروم بحكم الجوار والتجارة. ويشير المؤرخ جواد علي إلى هذا التأثر بقوله في المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام:
«كما بان ذلك على عرب بلاد الشام لاختلاطهم بالروم وبأهل بلاد الشام [...] وتشبه ملوك عرب الشام بملوك الروم، حتى في أمور دينهم [...] وجاءوا إلى قصورهم بقيان يغنين بغناء الروم وبقيان يغنين بغناء الفرس».[15]
ويذكر أيضًا أن أهل العربية الغربية تأثروا بأهل الشام والعراق نتيجة اتصالهم التجاري الدائم بهم. وهذا السياق التاريخي يجعل معرفة العرب بمظاهر الحياة المنزلية والبلاطية الرومانية أمرًا معقولًا؛ فإذا كانت الاستعانة بالماشطات لتصفيف شعر النساء معروفة في أوساط النخبة الرومانية، فمن باب أولى أن يُؤخذ وجود نظائر لهذه المهنة في البلاط الفرعوني على محمل الجد؛ فالمظاهر الجنائزية المصرية وما تكشفه من عناية بالملبس والزينة والمقتنيات الفاخرة تعكس اهتمامًا واضحًا بالمظهر والترف لدى النخبة.
فما الذي تكشفه المصادر الرومانية عن حضور هذه المهنة في أوساط النخبة، بل داخل الأسرة الإمبراطورية نفسها؟
كلوديوس (41–54م): ماشطة أم الإمبراطور في الأسرة الإمبراطورية الرومانية
ومن الشواهد الرومانية على وجود هذه المهنة داخل الأسرة الإمبراطورية ما يورده المؤرخ سويتونيوس (Suetonius) في كتابه حياة القياصرة الاثني عشر (De Vita Caesarum)، في ترجمة الإمبراطور كلوديوس، إذ ينقل عن كلوديوس قوله في إحدى النساء:
Haec matris meae liberta et ornatrix fuit.[9]
أي: «كانت هذه المرأة معتَقة أمي وماشطتها».
والمقصود بأمه هنا أنطونيا الصغرى، أم الإمبراطور كلوديوس، التي كانت لهذه المرأة صلة بها بوصفها ماشطتها. ويكشف هذا النص عن وجود مهنة تمشيط الشعر ضمن محيط الأسرة الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي.
تمثال رخامي يُنسب إلى أنطونيا الصغرى (Antonia Minor)، والدة الإمبراطور الروماني كلوديوس، ويُؤرَّخ إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي. متحف اللوفر، باريس.المصدر: متحف اللوفر، قاعدة بيانات المجموعات الفنية.
القانون الروماني في عهد جستنيان (533م)
ومن الشواهد على حضور هذه المهنة في المجتمع الروماني بشكل رسمي هو ورودُها في القانون نفسه. ففي الديجست (Digesta)، وهو مجموعة قانونية أمر الإمبراطور جستنيان الأول بجمعها وتدوينها سنة 533م، اي قبل ولادة النبي محمد ببضع عقود يرد في الكتاب، نقاشٌ قانوني للفقيه الروماني سيلسوس بشأن الماشطات (ornatrices) ومدى استحقاقهن الدخول في الوصية إذا لم تتجاوز مدة تدريبهن شهرين لدى معلّم:
Ornatricibus legatis Celsus scripsit eas, quae duos tantum menses apud magistrum fuerunt, legato non cedere…[10]
«في شأن الماشطات المشمولات بالوصية، كتب سيلسوس أن اللواتي لم يمكثن لدى معلّم سوى شهرين لا يدخلن في الوصية…»
ويُظهر النص أن الماشطات لم يكنّ مجرد نساء يمارسن تمشيط الشعر، بل صاحبات حرفة يتلقين التدريب على يد معلّمين، حتى إن مدة التدريب كانت محل اعتبار في القانون الروماني.
ق3م: نقش جنائزي لفيلتاتيس، ماشطة سيدة من طبقة النخبة الرومانية
وتؤكد النقوش الجنائزية حضور هذه المهنة في أوساط النخبة الرومانية؛ إذ يرد في نقش جنائزي يعود إلى نحو 201–230م ذكرُ فيلتاتيس (Philtates)، التي كانت تعمل مصففةً لشعر امرأة تحمل اللقب الاجتماعي الرفيع clarissima femina، أي «سيدة جليلة المقام»:
To the Spirits of the Dead, to Philtates, hairdresser of C[---iae] Cattunilla, clarissima femina, with her home at Augusta Taurinorum, her fellow slaves (set this up).[11]
«إلى أرواح الموتى، إهداءً إلى فيلتاتيس، مصففة شعر كاتونِيلا [من أسرة كـ…؟]، السيدة الجليلة المقام (clarissima femina)، المقيمة في أوغوستا تورينوروم؛ وقد أقام رفاقها من العبيد هذا النصب».
ويشهد النقش على وجود الماشطات في خدمة نساء الطبقة الأرستقراطية الرومانية.
نقش جنائزي لفيلتاتيس (Philtates)، ماشطة كاتونيلا، سيدة من طبقة النخبة الرومانية، 201–230م. المصدر وصورة النقش
أوفيد (القرن1 ق.م.–1م): الماشطات في الشعر الروماني
ولم يقتصر ذكر الماشطات على الأخبار التاريخية والنصوص القانونية والنقوش، بل ظهرن أيضًا في الأدب القديم، ولا سيما الشعر الروماني، حيث ترد الماشطة في سياق الحياة اليومية للنساء وعنايتهن بمظهرهن. ومن الشواهد على ذلك الشاعر الروماني أوفيد (Publius Ovidius Naso، 43 ق.م.–نحو 17/18م)، الذي خصّص في كتابه فن الحب (Ars Amatoria) مقطعًا للحديث عن تصفيف الشعر، محذّرًا النساء من سوء معاملة الماشطات.
يقول أوفيد في الكتاب الثالث، الأبيات 235–242 (ص 58–59):
Tuta sit ornatrix.«لتكن الماشطة في مأمن» [12]
ولمعرفة السياق كاملًا، تقول الترجمة الأكاديمية المرفقة بالنص:
235–250: Hairdressing in public. Only unattractive hair needs to be arranged secretly (243–44), but all women must treat their hairdressers properly.[12]
«الأبيات 235–250: تصفيف الشعر في الأماكن العامة. لا يحتاج إلى التصفيف في الخفاء إلا الشعر غير الجذّاب (243–244)، لكن ينبغي لجميع النساء أن يُحسنَّ معاملة مصفّفات الشعر الخاصات بهن».
مارتيال (Martial، نحو 40–104م)
ويتكرر هذا النمط في شعر مارتيال (Martial، نحو 40–104م)، ففي الكتاب الثاني من القصائد الوجيزة (Epigrams، القصيدة 66)، يصوّر لالاجي وهي تعاقب بليكوسا بعدما لاحظت خصلة شعر لم يثبّتها دبوس الشعر بإحكام:
Anulus, incerta non bene fixus acu.[13]
«خصلةٌ لم يثبّتها دبوس الشعر بإحكام».
ثم يقول:
Hoc facinus Lalage speculo, quo viderat, ulta est, et cecidit saevis icta Plecusa comis.[13]
«عاقبت لالاجي هذه “الجريمة” بالمرآة التي رأت فيها العيب، فسقطت بليكوسا تحت الضربات العنيفة».
ومع أن النص لا يصرّح بأن بليكوسا كانت ماشطة لالاجي، فإن سياق القصيدة، القائم على معاقبتها بسبب خلل في تصفيف الشعر، يذكّر بمشهد أوفيد ويقدّم شاهدًا أدبيًا آخر على تصوير العنف المرتبط بالعناية بشعر النساء في المجتمع الروماني.
جوفينال (نحو 120م): شيوع الماشطات وتعنيفهن
يعرض الشاعر الروماني جوفينال في الهجائيات(Satires، 6.486–499) مشهدًا لسيدة أرستقراطية تستعين بخادمة لتصفيف شعرها، ثم تعاقبها بعنف إذا لم تأتِ إحدى الخصلات على هواها. ويصف جوفينال هذا السلوك في سياق أوسع من التسلّط داخل بيوت الأثرياء، ويقول:
The unhappy maid that does her hair will have her own hair torn, and the clothes stripped off her shoulders and her breasts. “Why is this curl standing up?” she asks, and then down comes a thong of bull’s hide to inflict chastisement for the offending ringlet.[14]
«فتُمزَّق خصلات شعر الخادمة المسكينة التي تصفّف شعر سيدتها، وتُعرّى كتفاها وصدرها من ثيابها. ثم تسأل السيدة: “لماذا ترتفع هذه الخصلة؟”، وتهوي عليها عندئذٍ سوطٌ من جلد الثور عقابًا لها على تلك الخصلة المزعجة».
ولا يقتصر المشهد على خادمة واحدة؛ إذ يذكر جوفينال خادمات أخريات يشاركن في تصفيف الشعر والتشاور بشأنه، ويصف الأمر بقوله:
Another maid on the left side combs out the hair and rolls it into a coil; ... She is the first to give her opinion; after her, her inferiors in age or skill will give theirs, as though some question of life or honour were at stake.[14]
«وعلى الجانب الأيسر، تمشّط خادمة أخرى الشعر وتلفّه في كعكة؛ ... وهي أول من تدلي برأيها، ثم تتلوها من هنّ أقل منها سنًّا أو مهارة، وكأن الأمر يتعلق بالحياة أو الشرف».
ويُظهر هذا الوصف أن تصفيف شعر سيدات النخبة الرومانية كان قد يستلزم عمل عدة خادمات، تتوزع بينهن مهام التمشيط واللفّ والمشاركة في اختيار التسريحة، إلى حدّ تصوير التشاور بشأنها كأنه أمر بالغ الخطورة. وعند جمع هذا الشاهد بما نجده لدى أوفيد ومارتيال، يتضح أن الماشطات كنّ جزءًا معروفًا من الحياة المنزلية لدى النخبة الرومانية، وأن تصفيف الشعر كان يُسند إلى خادمات مختصات. كما أن تكرار مشاهد تعنيفهن بسبب التسريحة في ثلاثة أعمال أدبية مختلفة يدل على أن هذه الممارسة لم تكن غريبة عن المجتمع الروماني، بل كانت ظاهرة معروفة ومتكررة بما يكفي لتظهر في أدبه.
قائمة المراجع
[1]Plutarch. Life of Antony 60.1. Translated by Bernadotte Perrin. In Plutarch’s Lives, vol. 9, Loeb Classical Library 101. Cambridge, MA: Harvard University Press; London: William Heinemann, 1920.here Online text: here
[2] Tausch, Olaf. "Relief of Cleopatra VII and Caesarion at the Dendera Temple." World History Encyclopedia, March 14, 2018.here
[3] صحيح مسلم - ط التركية – مسلم (٧ / ٦٧) / هنا
[4] المستدرك على الصحيحين - ط العلمية – أبو عبد الله الحاكم (١ / ٦٢) / هنا
[5] الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة – الخطيب البغدادي (١ / ٤٨) / هنا
[6] لسان العرب – ابن منظور (٧ / ٤٠٢–٧ / ٤٠٣) / هنا
[7] الأم للشافعي - ط الفكر – الشافعي (٣ / ١٢١) / هنا
[8] المعجم الأوسط للطبراني – الطبراني (٧ / ١٦٢) / هنا
[9] Suetonius. Divus Claudius. Edited by Donna W. Hurley. Cambridge Greek and Latin Classics. Cambridge: Cambridge University Press, 2001, 224–225. available here
[10] Justinian, Digest 32.1.65.3, The Latin Library, accessed October 10, 2026, .here
[11] “Epitaph of Philtates.” Mapping Migration in Roman Iberia, University of Exeter, dated 201–230 CE. here
[12] Ovid, Ars Amatoria: Book 3, ed. Christopher M. Brunelle (New York: Oxford University Press, 2015), 58–59, available here.
[13] Martial. Epigrams, Volume I. Edited and translated by D. R. Shackleton Bailey. Loeb Classical Library 94. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993. Available here.
[14] Juvenal, The Complete Works of Juvenal, trans. G. G. Ramsay (Delphi Classics, 2014), 316 (Satire 6.486), available here.
[15] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط. 4 (بيروت: دار الساقي، 2001)، ج8: ص219، متاح هنا.
مقالات ذات صلة
هل تنبأ سفر «صعود موسى» بمولد النبي محمد؟
الإجهاز على إعجاز ادعاء فرعون للألوهية
سبأ وعبادة الشمس: هل أخبر القرآن بسرّ تاريخي مجهول؟
