الرد على الإعجاز العلمي في آية ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾
يناقش المقال دعوى الإعجاز العلمي في قول القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾، من خلال تتبع دلالة الآية في التفسير واللغة، ومقارنتها بالمعرفة العلمية الحديثة وما عرفته الحضارات السابقة عن الحديد والسماء.
عرض دعوى محل النزاع
تدور الدعوى موضع البحث حول قول القرآن في سورة الحديد:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25).
يرى أصحاب هذا الطرح أن قول القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ يتضمن إشارة إلى أن الحديد لم يتكوّن داخل الأرض، بل نشأ خارجها ثم وصل إليها من الفضاء. ووفق الإعجازيين، تشكّل الحديد في النجوم ثم وصل إلى الأرض عبر النيازك، فيكون «الإنزال» في الآية إنزالًا ماديًا حقيقيًا.
فيشيرون الى أن هذه الحقيقة لم تُكتشف تجريبياً إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، فكيف يمكن لشخص عاش قبل نحو 1400 عام، في زمن لم تكن فيه أدوات الرصد الفلكي الحديثة ولا معارف الفيزياء النووية متاحة، أن يتوصل من تلقاء نفسه إلى حقيقة كهذه؟ وعلى هذا الأساس يُبنى الاستدلال بأن هذا التوافق بين النص القرآني ومعطيات العلم الحديث يمثل وجهاً من أوجه الإعجاز العلمي، ودليلاً على أن القرآن وحي من عند الله لا كلام بشر. وهذه هي الدعوى التي يتناولها هذا المقال بالعرض والمناقشة.
الاعتراض اللغوي
يبني الإعجازيون طرحهم على فهم فعل "أنزلنا" في ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ على أنه نزول حسي مادي من السماء أو الفضاء.غير أن أغلب المفسرين القدامى فسّروا «الإنزال» هنا بمعانٍ لا تقتضي النزول الحسي من السماء، كالخلق والإنشاء والإظهار والتهيئة.
إبن كثير (ت774هـ) :
يبدو أن تفسير ابن كثير هو الأقرب إلى سياق الآية؛ إذ لا تتحدث الآيات عن أصل الحديد أو كيفية تكوّنه، وإنما عن وظيفته في سياق الدعوة. يقول ابن كثير:
"وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، أي: وجعلنا الحديد رَادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول اللَّه ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف منهم، شرع اللَّه الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده"[3]
فسياق الآية يبدأ بإرسال الرسل بالشرائع ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ثم إنزال الوحي والميزان ليعمل الناس بالعدل في معاملاتهم﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، ثم يرد ذكر الحديد موصوفاً بأن "فيه بأس شديد"، لينتهي السياق بقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. فالحديد هنا حلقة في منظومة واحدة: حجة، ثم قوة رادعة تحمي هذه الحجة وتنصر أصحابها، أي أن المقصود به هو السيف و ليس أصل الحديد المادي أو كيفية تكوّنه.
ويؤيد ذلك أن الآية ترد في سياق مختلف عن الآيات التي تتناول خلق السماوات والأرض والنجوم، حيث يكون الحديث عن مظاهر القدرة الإلهية والخلق الكوني. أما هنا، فالسياق متعلق بالرسل والكتاب والميزان والقسط والقوة، ولا يتضمن ما يشير إلى أصل الحديد أو مصدره الفلكي. ومن ثم فإن حملها على معلومة تتعلق بعلم الفلك يخالف سياق الآية نفسه.
وإلى جانب هذا الترجيح السياقي، فإن المعنى الغالب في أقوال المفسرين لـ«الإنزال» هو الخلق والجعل والإنشاء، و ليس النزول الحسي من السماء.
الحسن البصري (ت110هـ) :
أورد القرطبي(ت671هـ) في تفسيره قول التابعي الحسن البصري وهو من كبار التابعين :
«وقيل: ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: 6]..[4]
و علق قائلا:
وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء.»[4]
البغوي (ت516هـ) :
ونقل البغوي عن أهل المعاني:
" أنزلنا الحديد "[ أنشأنا وأحدثنا أي : أخرج لهم الحديد ] من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. [1]
قطرب (ت206هـ) :
وقال قطرب هذا من النزل كما يقال : أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الآية : أنه جعل ذلك نزلا لهم . ومثله قوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ( الزمر - 6 ).[1]
الرازي (ت606هـ) :
وذكر الرازي المعنى نفسه:
وَالْقَوْلُ الثَّانِي"أنَّ مَعْنى هَذا الإنْزالِ الإنْشاءُ والتَّهْيِئَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ"[2]
أما القول الأول الذي أورده الرازي، فيتمثل في أن الحديد أُنزل من الجنة، والمقصود بذلك أن آدم، حين هبط إلى الأرض، أُنزلت معه بعض الأدوات الحديدية. وقد ذكر هذا القول استنادًا إلى بعض الأحاديث والروايات المنسوبة إلى النبي وبعض الصحابة.
الماوردي (ت450هـ) :
وقد أورد الماوردي أيضا القولين نفسيهما، والأهم أن أيًّا منهما لا يوافق الفهم الإعجازي للآية.
أما القول الأول، فهو أن الحديد نزل مع آدم إلى الأرض، استنادًا إلى رواية أخرى سيأتي ذكرها لاحقًا.
وأما القول الثاني، فهو:
أنه من الأرض غير منزل من السماء، فيكون معنى قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ محمولًا على أحد وجهين: أحدهما: أي أظهرناه. الثاني: لأن أصله من الماء المنزل من السماء فينعقد في الأرض جوهره حتى يصير بالسبك حديدًا.[5]
فتعدد هذه الأقوال عند كبار المفسرين يكشف أن معنى "الإنزال" لم يكن محسوماً عندهم بأنه نزول حسي من الفضاء، بل تراوح بين الخلق والإنشاء والتهيئة والجعل, حتى أن بعضهم صرح أن الحديد من الأرض غير منزل من السماء اصلا.
الإستخدام القرآني لفعل الإنزال
ويعزز هذا استخدامُ القرآن الفعل نفسه في سياق لا علاقة له بالنزول المادي، كقوله:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ الأعراف - 26 وكما تقدم ذكره : ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ الزمر - 6
و أيضا : ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖكُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ..﴾ البقرة - 57
والمثير للإنتباه أن فعل «أنزل» ورد في الآية نفسها قبل ذكر الحديد، في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ولا يُفهم منه نزولٌ ماديٌّ من السماء.
وتدل هذه المواضع على أن فعل «أنزل» في الاستعمال القرآني لا يقتصر على النزول المادي من السماء، بل يُستعمل أيضًا في معنى الإنعام والعطاء والتوفير والرزق بما سخّره الله لعباده وأمدّهم به من أسباب معاشهم.
مصدر نزول الحديد حسب التراث الإسلامي
حتى مع التسليم جدلاً بأن الحديد "نزل"، فإن السؤال: أي مصدر حدده التفسير الإسلامي المبكر لهذا النزول؟ اللافت أن الروايات التي تطرقت للمعنى لم تربط الحديد بالنجوم ولا بالنيازك، بل بالجنة. روى المفسرون عن ابن عباس:
"نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ: السَّنَدانُ، والكَلْبَتانُ، والمِقْمَعَةُ، والمِطْرَقَةُ، والإبْرَةُ"[2][4]
وفي رواية أخرى عن عكرمة عنه:
"ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ... وَعَصَا مُوسَى... وَالْحَدِيدُ أُنْزِلَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: السِّنْدَانُ وَالْكَلْبَتَانِ وَالْمِيقَعَةُ"[5][4]
هذه الروايات رغم ضعفها الذي نبّه إليه المفسرون أنفسهم هي المرجع التاريخي الوحيد الذي فسّر به علماء الإسلام الأوائل "نزول" الحديد، بمعنى النزول المادي. كما تقدم ذكره في فقرة التفاسير وهي تربطه بالهبوط من الجنة مع آدم، لا بتشكّله في نجم متفجر ثم سقوطه نيزكاً. فلا يوجد أثر تفسيري قديم يربط "الإنزال" بالنيازك أو الفضاء الخارجي؛ هذا الربط ليُّ لعنق الآية ظهر بعد اكتشافات الفيزياء الفلكية الحديثة لمحاولة ربطها بها.
بل إن بعض من أخذ بظاهر اللفظ، وجعل «الإنزال» نزولًا حسيًا، لم يربطه بالسماء أو الفضاء، بل باستخراج الحديد من المعادن في الجبال. فقد قال ابن تيمية:
"وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد ٢٥] والإنزال يقتضي أن يكون من محلٍّ عالٍ، ولا ريب أن الحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان المعدن أعلى كان حديده أجود، والمستخرجون للحديد من المعادن يقولون: نزل لنا من المعدن كذا وكذا"[6]
فأخذ ابن تيمية «الإنزال» على ظاهره، لكنه جعل العلو المقصود علوّ الجبال التي تُستخرج منها المعادن، لا علوّ السماء أو الفضاء. وبذلك لا يظهر في التفسير القديم، سواء فُهم الإنزال بمعنى الخلق أو النزول الحسي، ربطٌ بين الآية والنجوم أو النيازك.
دلالة الإنزال في الاستعمال القرآني
حين يريد القرآن التعبير عن نزول شيء من السماء حسّاً، يستخدم صراحة عبارة "من السماء"، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾الذي ورد في أكثر من 13 آية من القرآن. أما آية الحديد فاكتفت بـ﴿أَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ دون ذكر "من السماء" ولا "من النجوم" ولا أي مصدر محدد. هذا التفاوت في الصياغة يجعل تفسير الآية بأنها تصف نزولاً فلكياً حسياً أمراً غير حتمي في النص نفسه، بل إسقاطاً لاحقاً من القارئ.
و هذا ما أكده ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية بعد كلامه السابق في أن انزال الحديد معناه استخراجه من الجبال:
يبين ذلك أن الله ذكر الإنزال على ثلاث درجات قال في الحديد وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد ٢٥] فأطلق الإنزال ولم يذكر من أين نزل وقال في الغيث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة ٢٢] وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ فذكر أنه أنزل المطر من السماء فإنه نزل مما يسمو على رؤوس بني آدم ويعلو عليهم بخلاف الجبال..[6]
الاعتراض العلمي
يحتمل الفهم الإعجازي لـ"نزول" الحديد عدة معاني:
أولاً: كل حديد الأرض
إن كان المقصود أن ذرات الحديد تكوّنت في انفجار نجمي (سوبرنوفا) ثم "نزلت" إلى الأرض أثناء تكوّنها، بهذا المعنى الكوني العام، فإن هذا الفهم يصطدم بعدة إشكاللت حين نُراجع كيف تكوّنت الأرض.
تشير المراجعات العلمية الحديثة إلى أن الأرض لم تستقبِل الحديد بعد وجودها، بل تشكّلت أصلاً منه هو وعناصر أخرى؛ فقد نشأ النظام الشمسي من انهيار سحابة غازية غبارية (السديم الشمسي)، تكاثفت جسيماتها إلى حصى، ثم إلى كتل صخرية بحجم مئات الكيلومترات (planetesimals)، تراكمت بدورها لتكوّن الكواكب:
"Theory holds that solar nebula dust particles stuck together to form pebbles, concentrations of which gravitationally collapsed into ∼100-km-sized planetesimals, which in turn accreted to yield planets" (تقول النظرية إن جسيمات غبار السديم الشمسي التصقت لتكوّن حصى، تجمّعت بفعل الجاذبية في كتل بحجم نحو 100 كم، تراكمت بدورها لتكوّن الكواكب) [15]
وتقدّر الدراسة أن أكثر من 98% من كتلة الأرض كانت قد تراكمت بالفعل بحلول الارتطام الذي كوّن القمر، أي في غضون أول 70-120 مليون سنة من عمر النظام الشمسي، وهي المرحلة التي كانت تتشكل فيها الأرض، وليست مرحلة لاحقة عليها.
والأهم أن هذا لا يخص الحديد وحده؛ فالحديد كان أحد المكوّنين الأساسيين اللذين بُنيت منهما الكواكب الصخرية من الأساس، إلى جانب السيليكات، بينما تبخّرت العناصر المتطايرة الأخرى بفعل الحرارة العالية قرب الشمس:
"Only refractory (high melting point) materials like iron and rocky silicates were stable... the terrestrial planets are made primarily of metallic cores and silicate mantles" (لم يبقَ مستقراً في هذه الحرارة إلا الموادّ ذات درجة الانصهار العالية، كالحديد والسيليكات الصخرية... فالكواكب الأرضية مكوّنة أساساً من أنوية معدنية وأوشحة سيليكاتية) [16]
أي أن الحديد لم يكن إضافة استثنائية لكوكب موجود سلفاً، بل أحد مكوّني بنية الأرض نفسها منذ البداية (نواتها المعدنية ووشاحها الصخري)، تماماً كما أن سائر العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم - الأكسجين، السيليكون، الكالسيوم، النيكل - نشأت جميعها في المسار الكوني نفسه داخل نجوم سابقة انفجرت كمستعرات عظمى [7]. فلا خصوصية للحديد تجعله وحده "نازلاً"، بينما بقية عناصر الأرض ليست كذالك.
وبهذا يتضح أن هذا الفهم، رغم صحته الفلكية العامة، يسيء تصوير العلاقة بين الحديد والأرض: فالحديد هنا لم "ينزل" على الأرض بالمعنى الذي يفترض وجود شيء يستقبل شيئاً آخر، بل هو حرفياً أحد المكوّنين الأصليين اللذين تشكّلت منهما الأرض؛ فليس ثمة "نازل" و"منزَل عليه"، بل الحديد هو نفسه أحد أركان الأرض التي نتحدث عن نزوله عليها.
ثانياً: حديد النيازك
أما إن كان المقصود تحديداً بـ"النزول" هو الحديد الذي وصل عبر المذنبات والنيازك في مراحل متأخرة من تكوّن الأرض - وهو الأغلب الذي يقصده الإعجازيون، لا الفهم العام السابق - فإن هذا الفهم الأضيق يصطدم بحقيقتين علميتين مباشرتين.
الأولى: أن هذه الإضافة المتأخرة، المعروفة علمياً بـ"الغطاء المتأخر" (Late Veneer)، لا تمثل إلا نسبة هامشية جداً من كتلة الأرض. فقد وثّقت مراجعة علمية حديثة أن:
(نحو 0.5% إلى 2% وزناً من كتلة الأرض تراكم خلال هذه المرحلة) [8]
وهذا التقدير يطرح مشكلة في هذا التفسير للآية؛ فهي تتحدث عن الحديد بإطلاق، دون تخصيص جزء منه أو التمييز بين مصادره: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. فالبأس الشديد والمنافع وصفان للحديد الذي ينتفع به الناس ويصنعون منه الأسلحة والأدوات، وليس لجزء محدود منه دون غيره.
فإذا كان المقصود بالإنزال هو هذا الجزء اليسير جداً، الذي لا يمثل سوى 0.5-2%، لزم أن يكون المقصود بوصف الآية جزءاً محدوداً جداً من الحديد، بينما يبقى معظم الحديد الأرضي، وهو الذي يستخرجه الناس ويصنعون منه أدواتهم وأسلحتهم، خارج هذا الوصف. وهذا تفسير متكلّف؛ لأنه يقيّد لفظ "الحديد" في الآية بجزء ضئيل منه، مع أن الناس لا يميّزون في استعمالهم بين حديد ذي أصل أرضي وآخر ذي أصل نيزكي، فضلاً عن قصر معنى الآية على الأخير وحده.
والثانية، وهي الأهم: أن هذا "الغطاء المتأخر" نفسه لا يُصنَّف علمياً كحدث لاحق طرأ على أرض مكتملة التكوّن، بل هو بنص الدراسات المتخصصة إحدى آخر مراحل تشكّل الأرض ذاتها، تماماً كما بيّنّا آنفاً أن الأرض بأكملها تشكّلت تراكمياً لا دفعة واحدة. فقد جاء عنوان إحدى الدراسات المرجعية في هذا المجال، المنشورة في The Astrophysical Journal، صريحاً بهذا المعنى:
"The Last Stages of Terrestrial Planet Formation: Dynamical Friction and the Late Veneer" ("المراحل الأخيرة من تكوّن الكواكب الأرضية: الاحتكاك الديناميكي والغطاء المتأخر") [9]
وتؤكد دراسة أخرى الأمر ذاته بوضوح، إذ تصف هذه المرحلة بأنها:
"The so-called 'late veneer' phase in Earth's accretion" (المرحلة المعروفة بـ"الغطاء المتأخر" في تراكم الأرض) [10]
أي أن العلم لا يتحدث عن "أرض" ثم "حديد نازل عليها"، بل عن عملية تراكمية واحدة متصلة، كان هذا الحديد آخر خطوة فيها لا حدثاً منفصلاً عنها. وبعبارة أخرى: حتى في أضيق تفسير ممكن، وهو حصر "النزول" في النيازك المتأخرة فقط، فإن هذا الحديد لم يهبط على أرض جاهزة ومكتملة، بل كان هو نفسه جزءاً من الأرض وهي لا تزال قيد التكوّن؛ فلا "نازل" ولا "منزَل عليه" بالمعنى الذي يفترضه الخطاب الإعجازي، بل مرحلة أخيرة ضمن مراحل نشأة الكوكب نفسه.
ثالثاً: النيازك الحديثة
احتمال ثالث: أن يكون المقصود نيازك حديدية سقطت في زمن البشر أنفسهم، لا أثناء تكوّن الأرض. وهذا يصطدم باعتراضين.
الأول، كمّي: تقدّر ناسا أن ما يسقط على الأرض من مواد نيزكية يبلغ:
"48.5 tons (44,000 kilograms) of meteoritic material falls on Earth each day" (نحو 48.5 طناً يومياً) [20]
بينما تقدّر دراسة حديثة الرقم بنحو 5200 طن سنوياً، أغلبه غبار كوني مجهري [21]. وحتى لو افترضنا جدلاً أن كل هذه الكمية عبر ستة آلاف سنة كانت حديداً خالصاً، فلن تتجاوز 30 مليون طن وهو لا شيء أمام حديد نواة الأرض المقدَّر بنحو 1.6×10²¹ طن.
الثاني، إدراكي: هذا "النزول" ليس معرفة غيبية، بل ظاهرة تُرى بالعين المجردة. فالنيازك الحديدية تتميز بكثافتها ووزنها المختلفين تماماً عن صخور الأرض:
"although they make up only 5.7% of cases, they account for 89.3% of the total mass" (لا تمثل سوى 5.7% من حالات السقوط، لكنها تشكّل 89.3% من كتلتها) [21]
وسقوطها نفسه مشهد مضيء لا خفي. فمشاهدة قطعة كثيفة تسقط وسط شهاب لا تحتاج علماً متقدماً لإدراكها وهذا بالضبط ما لاحظته حضارات قديمة فأسمت الحديد "معدن السماء".
السبق الحضاري
تقوم الدعوى على أن معرفة كون الحديد "وافداً" من الفضاء لم تُعرف إلا في الربع الأخير من القرن العشرين. لكن دراسات أثرية ولغوية حديثة تكشف أن حضارات قديمة عديدة ربطت الحديد بالسماء منذ آلاف السنين، وإن كان ذلك بفهم أسطوري لا علمي.
فالمصريون القدماء أطلقوا على الحديد اسم "معدن السماء". فقد وثّقت عالمة المصريات فيكتوريا ألمانسا-فيلاتورو (زميلة أبحاث في جامعة هارفارد) في دراستها للنصوص الهرمية التي يعود تاريخها إلى نحو 4400 عام أن الحديد كان يُكتب بلفظ يعني حرفياً "حديد السماء" (bjA n pt)، ونقلت عن أحد هذه النصوص عبارة صريحة:
"[The king] Unis seizes the sky and splits its iron" ("[الملك] أوناس يمسك بالسماء ويشق حديدها") [11]
وقد أكد التحليل الكيميائي الحديث أن قطعاً أثرية مصرية معروفة، كخنجر توت عنخ آمون، كانت فعلاً من أصل نيزكي؛ إذ خلص فريق بحثي نشر دراسته في مجلة Meteoritics & Planetary Science إلى أن:
"the composition of the blade... strongly supports its meteoritic origin" (تركيب نصل الخنجر... يدعم بقوة أصله النيزكي) [12]
ولم تكن مصر وحدها؛ فقد عرف الحثيون في الأناضول مصطلحات متعددة للحديد، منها "الحديد الأسود"، وأحياناً يُضاف إليه وصف "من السماء". وتنقل نصوص طقسية حثية عبارة صريحة:
"They brought black iron of the sky" ("جلبوا الحديد الأسود القادم من السماء") [13]
وهو ما علّق عليه مارك ويدن، الباحث المتخصص في النصوص الحثية بجامعة كوليدج لندن (UCL)، بقوله إن هذا يدل على أن الحثيين:
"seem to know that it's coming from the sky" (يبدو أنهم كانوا يدركون أن هذا الحديد قادم من السماء) [13]
كما أطلق سكان بلاد الرافدين القدماء على الحديد اسم "an-bar" بمعنى "المعدن السماوي" [14].
فإذا كانت حضارات سبقت الإسلام بقرون، بل بآلاف السنين في حالة المصريين، قد ربطت الحديد بالسماء، فإن دعوى أن الفكرة لم تظهر إلا في العصر الحديث تحتاج إلى مراجعة. ولا يعني ذلك أن تلك الحضارات امتلكت تفسيرًا علميًا حديثًا لأصل الحديد، لكن الفكرة العامة القائلة إن بعض الحديد يأتي من السماء كانت معروفة قبل الإسلام بزمن طويل، استنادًا إلى ملاحظة النيازك الحديدية الساقطة.
قائمة المراجع
[1] تفسير البغوي - طيبة – البغوي، أبو محمد (٨ / ٤١) / هنا
[2] تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير – الفخر الرازي (٢٩ / ٤٧١) / هنا
[3] تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ – ابن كثير (١٣ / ٤٣٢) / هنا
[4] تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (١٧ / ٢٦١) / هنا
[5] تفسير الماوردي = النكت والعيون – الماوردي (٥ / ٤٨٣) / هنا
[6] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية – ابن تيمية (٦ / ٥) / هنا
[7] NASA Science, "How did our Solar System form?" — here
[8] "Clues for Solar System Formation from Meteorites and their Parent Bodies," arXiv:2506.02721 — here
[9] "The Last Stages of Terrestrial Planet Formation: Dynamical Friction and the Late Veneer," The Astrophysical Journal 752 (2012) — here
[10] "Dynamical and Collisional Constraints on a Stochastic Late Veneer on the Terrestrial Planets," arXiv:1306.4325 — here
[11] Almansa-Villatoro, V., "What Ancient Egyptians Knew About Meteorites—Long Before Modern Astronomers," SAPIENS, Oct 17, 2023. Here
[12] Comelli, D. et al., "The meteoritic origin of Tutankhamun's iron dagger blade," Meteoritics & Planetary Science 51 (2016): 1301–1309. Here
[13] "How Did Ancient Cultures First Discover Iron? It Fell From the Sky," National Geographic, 2024. Here
[14] "Archaeoastronomical Analysis of the Levinsadovka Sacrificial Complex (South Russia)," arXiv:1303.1153, 2013. Here
[15] "The Accretion of Planet Earth," Nature Reviews Earth & Environment 3 (2022) — here
[16] "The Solar Nebula Formation of the Earth," Columbia University — here
