حيث تتلاشى الخرافة

تفنيد إعجاز «وَهِيَ دُخَان»: هل يشير القرآن إلى الغبار الكوني؟

نقد دعوى الإعجاز العلمي في آية «وهي دخان»، من خلال أقوال المفسرين والتسلسل الزمني لنشأة الكون، مع تتبع جذور التشبيه في التراث السابق للإسلام.

تفنيد إعجاز «وَهِيَ دُخَان»: هل يشير القرآن إلى الغبار الكوني؟

بيان الادعاء

يدعي أصحاب هذا الإعجاز: أن قول القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وصفٌ دقيق لمرحلة من المراحل الأولى في نشأة الكون، وهي المرحلة التي سبقت ولادة النجوم، حين لم يكن الفضاء يحوي غير سحبٍ من الغاز الحار والغبار الكوني. ويرون أن لفظ "الدخان" أقرب لفظ عربي يصف هذا المزيج من الغاز والغبار، فجاء التعبير القرآني في زعمهم موافقاً لحقيقة علمية لم تُكتشف إلا في القرن العشرين.

و يبنون كلامهم على اقتباس من مجلة Science المرموقة:

"About 300,000 years after the big bang, the universe was like a smoke-filled chamber from which light could not escape"(بعد نحو 300 ألف سنة من الانفجار العظيم، كان الكون أشبه بحجرة مملوءة بالدخان، بحيث لم يكن الضوء قادرًا على الخروج منها.)[14]

وحاصل الدعوى: أن التعبير القرآني بلفظ "الدخان" هو وصف دقيق للغبار الكوني والغازات التي كانت في أول مراحل الكون، وهذا التطابق المزعوم يعتبرونه دليلا على أن النص يستحيل أن يصدر عن بشر قبل 14 قرناً، مرجحين بذلك كونه وحياً إلهياً.

فصل في معنى الآية عند السلف

قبل أن نخوض في هذه الادعاءات من الناحية العلمية، وجب علينا أن نفهم المراد الحقيقي من النص القرآني في بيئته. وأفضل خيار لتحقيق ذلك هو تحري أقوال الصحابة والتابعين وعلماء التفسير المعتمدين.

عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ):

أقدم وأصح ما روي في تفسير الآية يعود إلى عَلم من كبار علماء الصحابة ومُقدَّميهم في التفسير؛ وهو "ترجمان القرآن" وحبر الأمة عبد الله بن عباس، حيث ربط الدخان ربطاً مباشراً بالماء والتبخر.

فأما الأساس الثابت في ذلك، فهو ما فصّله ابن عباس للمشهد في الرواية التي أخرجها القرطبي في تفسيره عن الأعمش من طريق وكيع، مبيناً أن هذا البخار ناتج عن دحو الأرض، حيث قال:

"ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ فَدَحَا الْأَرْضَ عليها، فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات." [1]

وقد صحح الحاكم في المستدرك على الصحيحين هذا الأثر بعدما نقل الطريق ذاته قائلاً: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه." [5]

ولمن قد يُشكك في صحة هذه الرواية بسبب "عنعنة الأعمش" (وهو تابعيٌّ ثقة معروف بالتدليس)، فقد وردت الرواية ذاتها بتخريج آخر يقطع الشك باليقين، حيث أخرجها الطبري من طريق الإمام شعبة بن الحجاج، قائلاً:

"حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ (الأعمش)، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شيءٍ القلمُ، فَجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، فخُلِقَت منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ، فبُسِطَتِ الأرضُ... فأُثْبِتَت بالجبالِ." [10]

وورود هذا الأثر من طريق شعبة يرفع أي شبهة انقطاع أو تدليس عن الأعمش؛ فقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني على أن شعبة كان يتتبع سماع شيوخه، ناقلاً القاعدة الحديثية في ذلك:"وروينا في المعرفة للبيهقي وفيها عن شعبة أنه قال: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبو إسحاق وقتادة». وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها." [11]

ويُعضد هذا الفهم الصحيح الثابت، ما أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس: على أي شيء كان الماء قبل أن يخلق شيء؟ فأجابه:

"كان يصعد إلى السماء بخار كبخار الأنهار، فاستصبر، فعاد صبيرا، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾." [2]

كما يتوافق مع ما أخرجه الطبري بسنده عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في تفصيل أيام الخلق:

"ثم استوى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة." [3]

ورغم الضعف الذي يعتري أسانيد هاتين الروايتين الأخيرتين، إلا أنهما ترويان قول جماعة من الصحابة، وتعتضدان بالرواية الأولى الصحيحة؛ ولذلك اعتمد عليها كبار المفسرين واستدلوا بها في مصنفاتهم لتأكيدهم على أن المعنى المتبادر لـ "الدخان" عند الجيل الأول هو البخار المتصاعد من الماء، ولم يكن قط إشارة إلى غازات كونية.

مجاهد بن جبر (ت 104 هـ):

سار التابعون على نفس النهج التفسيري المرتبط بالماء. ينقل القرطبي قول مجاهد وغيره من المفسرين:

"إِنَّهُ تَعَالَى أَيْبَسَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ عَرْشُهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَثَارَ مِنْهُ دُخَانٌ فَارْتَفَعَ." [4]

ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) وابن كثير (ت 774 هـ):

استقرت هذه الدلالة في أمهات كتب التفسير التي اعتمدت على المأثور، ولم تخرج عن كون الدخان بخاراً للماء تصاعد إبان خلق الأرض. يقول الطبري في تفسيره للآية:

وَ" ثُمَّ" تَرْجِعُ إِلَى نَقْلِ السَّمَاءِ مِنْ صِفَةِ الدُّخَانِ إِلَى حَالَةِ الْكَثَافَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ، عَلَى مَا مَضَى فِي [الْبَقَرَةِ] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ."[12]

و يؤكد ذالك ابن كثير:

"وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، وهو: بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض،" [6]

وهو ذات ما استقر عليه المفسرون المتأخرون كالسعدي (ت 1376 هـ) الذي قال: "﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ قد ثار على وجه الماء." [7] و الشوكاني (ت 1250 هـ) "الدُّخَانُ: مَا ارْتَفَعَ مِنْ لَهَبِ النَّارِ، وَيُسْتَعَارُ لِمَا يُرَى مِنْ بُخَارِ الْأَرْضِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا الدُّخَانُ هُوَ بُخَارُ الْمَاءِ." [13]

شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية (ت 728 هـ):

لخص ابن تيمية هذا الفهم في مجموع الفتاوى، ونقل الإجماع على أن مادة السماء الأولى لم تكن سوى بخار الماء، قاطعاً الطريق على أي تأويل يخرج اللفظ عن دلالته التراثية التي فهمها الجيل الأول:

"وَأَهْلُ الْمِلَلِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَخَلَقَ ذَلِكَ مِنْ مَادَّةٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الدُّخَانُ الَّذِي هُوَ الْبُخَارُ... وَهَذَا الدُّخَانُ هُوَ بُخَارُ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ مَوْجُودًا كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ." [8]

و أضاف ايضا في كتابه الصفدية:

"قيل هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش فإن البخار نوع من الدخان." [9]

وحاصل ما سبق، أن الدلالة الأصلية للآية كما اتفق عليها فهم الصحابة والتابعين، واستقر في أمهات التفاسير، تحصر "الدخان" في كونه بخار الماء المتصاعد بعد تشكل الأرض. فلم يفهم المخاطبون الأوائل بالنص أي إشارة لغازات أو غبار كوني، بل ربطوا المشهد مباشرة بتبخر الماء. وهذا يعني أن تحميل اللفظ اليوم دلالات فلكية حديثة هو إسقاط متكلف لمعنى لم يقصده النص؛ مما ينفي وجود أي مطابقة أصلية، ويسقط دعوى الإعجاز من أساسها التاريخي والتفسيري حتى قبل مناقشتها بميزان العلم.

فصل في التسلسل الزمني لمراحل الخلق ومخالفته للكرونولوجيا الكونية

لفهم إشكالية هذا الادعاء، لا يجب اجتزاء كلمة واحدة ومحاكمتها باستقلال عن سياقها الكامل، بل يجب قراءة النص القرآني كاملاً لتتبع التسلسل الزمني الذي يقرره.

في سورة "فصلت"، تضعنا الآيات أمام تدرج زمني صارم؛ إذ تذكر خلق الأرض أولاً في يومين:

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...

ثم إرساء الجبال فيها (الرواسي)، والمباركة فيها وتقدير أقواتها في أربعة أيام:

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾.

بعد اكتمال هذا البناء الأرضي واستقراره، ينتقل النص القرآني قائلاً:

﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.

وقد جاء الربط هنا بحرف العطف "ثُمَّ" الذي يفيد عند العرب الترتيب والتراخي، مما يعني بوضوح أن السماء كانت "دخاناً" في وقت كانت فيه الأرض موجودة، ومكتملة التضاريس بجبالها، وعامرة بأقواتها (أي مصادر الغذاء والحياة).

هذا الترتيب يتعارض مع دعوى الإعجاز؛ فإذا كان «الدخان» يعني السحب الغازية والغبار الكوني الذي نشأت منه النجوم، فإن هذه المادة سبقت تشكّل الأرض بمليارات السنين، ولم تظهر بعد اكتمالها. وهذا ما يوضحه المصدر العلمي نفسه الذي يستشهد به أصحاب الإعجاز لتشبيه الكون المبكر بالدخان:

"About 300,000 years after the big bang, the universe was like a smoke-filled chamber from which light could not escape"(بعد نحو 300 ألف سنة من الانفجار العظيم، كان الكون أشبه بحجرة مملوءة بالدخان، بحيث لم يكن الضوء قادرًا على الخروج منها.)[14]

وهذا يعني أن المرحلة التي يشبّه المصدر العلمي حالتها بـ«الدخان» تعود إلى بدايات الكون، بعد الانفجار العظيم بنحو 300 ألف سنة. آنذاك، لم تكن الأرض ولا المجموعة الشمسية قد تشكّلتا بعد، إذ ظهرتا بعد ذلك بمليارات السنين. والتشبيه بالدخان لا يعني أن الكون كان مكوّنًا من دخان حقيقي، بل يصف صعوبة انتقال الضوء وانتشاره في تلك المرحلة، على نحو يشبه ما يحدث في غرفة مليئة بالدخان.

و خلاصة ما سبق ان الإشكالية تكمن في الترتيب الزمني؛ فالآيات تذكر الدخان بعد خلق الأرض وتقدير أقواتها، بينما تعود المرحلة الكونية التي يُشبَّه حالها بالدخان إلى نحو 300 ألف سنة بعد الانفجار العظيم، أي قبل تشكّل الأرض بمليارات السنين. لذلك، فإن إسقاط هذا المفهوم العلمي على لفظ «الدخان» لا ينسجم مع التسلسل الظاهر في الآيات، بل يضع المرحلة في زمن يناقض ما يقرره العلم.

فصل في الجذور التاريخية لعقيدة "دخان السماء" في التراث السابق

وبعيدًا عن الإشكالات اللغوية والزمنية، يضعف ادعاء «السبق العلمي» أكثر عند تتبع أصل هذه الفكرة تاريخيًا؛ فتصور «دخان السماء» كان معروفًا في بعض التفسيرات اللاهوتية في الشرق الأدنى قبل الإسلام بقرون.

ومن أبرز من تحدث عن ذلك القديس باسيل الكبير (القرن الرابع الميلادي)، أحد أبرز آباء الكنيسة ومفكريها. ففي كتابه الشهير أيام الخلق الستة (Hexaemeron)، استند باسيل إلى سفر إشعياء، وذكر أن مادة السماء في بدايتها خُلقت من «الدخان»:

"أما فيما يخص جوهر السماوات، فنحن نكتفي بما قاله إشعياء، لأنه بلغة بسيطة يمنحنا فكرة كافية عن طبيعتها: 'لقد صُنعت السماء مثل الدخان'، أي أنه [الله] خلق مادة لطيفة، خالية من الصلابة أو الكثافة، ليُشكل منها السماوات." [15]

هذا النص العائد للقرن الرابع الميلادي ينسف دعوى السبق العلمي؛ فهو يشبّه السماء بالدخان من دون أن يقول إن مادتها دخان حرفيًّا، وهو ما يتفق مع المقصود في الاقتباس العلمي من مجلة Science. وبذلك، فالتشبيه ليس اكتشافًا قرآنيًّا مستجدًّا، بل تصور سابق للإسلام بقرون.

قائمة المصادر:

[1] أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (1 / 257). / هنا

[2] عبد الرزاق الصنعاني، المصنف (5 / 90). / هنا

[3] ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك (1 / 54). / هنا

[4] أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (1 / 255). / هنا

[5] المستدرك على الصحيحين - ط الرسالة – أبو عبد الله الحاكم (٤ ‏/ ٦٢٧) / هنا

[6] تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (7 / 166) / هنا

[7] عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن (ص 745). / هنا

[8] تقي الدين ابن تيمية، مجموع الفتاوى (5 / 564). / هنا

[9] تقي الدين ابن تيمية، الصفدية (2 / 76). / هنا

[10] تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي – ابن جرير الطبري (٢٣ ‏/ ١٤٠) / هنا

[11] النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر – ابن حجر العسقلاني (٢ ‏/ ٦٣١) / هنا

[12] تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (١٥ ‏/ ٣٤٣) / هنا

[13] فتح القدير للشوكاني – الشوكاني (٤ ‏/ ٥٨٢) / هنا

[14] Bhattacharjee, Yudhijit. “How the Early Universe Cleared Away the Fog.” Science, available here

[15] Basil of Caesarea, The Treatise De Spiritu Sancto, the Nine Homilies of the Hexaemeron, and His Letters, trans. Blomfield Jackson (Ivory Falls Books, 2017), p. 243. available here and text available here


الأَعْرَاف - Al a3raf

الأَعْرَاف - Al a3raf

مجموعة لادينية مَوضوعية مهتمة بنقد النبوات