تفنيد إعجاز الأمواج العميقة في القرآن
بحثٌ يناقش دعوى الإعجاز العلمي في آية البحر اللجي، ويستعرض تفسير جمهور المفسرين للآية، مع تتبّع فكرة “الأمواج العميقة” في الحضارات والأساطير السابقة للإسلام، لبيان أن الفكرة ليست اكتشافًا علميًا فريدًا.
المحور الأول : بيان الدعوى
يستدلّ أنصار الإعجاز العلمي بقول القرآن :
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور: 40]
ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى أن وصف البحر بـ «اللُّجِّي» يدل على البحر العميق، ثم يربطون بين قول القرآن : ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ وبين ما يُعرف في علم المحيطات بالأمواج الداخلية التي تتكون في أعماق البحار، ويزعمون أن هذه الظاهرة لم تُكتشف إلا في العصر الحديث. كما يرون أن تصوير الظلمات المتراكبة في أعماق البحر يتوافق مع ما كشفه العلم من تناقص الضوء تدريجيًا حتى تنعدم الرؤية في الأعماق السحيقة. وانطلاقًا من ذلك يخلصون إلى أن اشتمال الآية على هذه المعارف يُعد في نظرهم دليلًا على استحالة صدورها عن المعرفة البشرية في زمن النبي ، ومن ثم يستدلون بها على المصدر الإلهي للقرآن.
المحور الثاني : معنى اللجة في العربية
بحسب أغلب معاجم اللغة، فإن اللُّجَّة لا تعني "أعماق البحر" بالمعنى الاصطلاحي الحديث، وإنما تدور معانيها حول معظم البحر، ووسطه، والماء الكثير الذي لا يُرى طرفاه أو لا يُدرك قعره. أي سطح البحر البعيد عن اليابسة و لا يوجد أي ذكر للعمق .
- فقد قال الصاحب بن عباد (326- 385 هـ) في المحيط :
ولُجَّةُ البَحْرِ: مُعْظَمُه، وجَمْعُها لُجَجٌ ولُجٌّ. ولَجَّجَ القَوْمُ: دَخَلُوا في اللُّجَّةِ. وبَحْرٌ لُجِّيٌّ ولَجّاجٌ . وفَلاةٌ لُجِّيَّةٌ: واسِعَةٌ. والْتَجَّ الظَّلامُ: اخْتَلَط، وكذلك الأصواتُ. وألَجَّ القَوْمُ إلْجَاجًا: إذا صاحُوا. واللَّجَّةُ: الضَّجَّةُ.[1]
يوضح أن اللُّجَّة هي معظم البحر، وأن البحر اللُّجِّي هو البحر الواسع.
- و قال أبو علي القالي (288هـ-356هـ) في البارع :
ولُجّة البحر حيث لا ترى أرضا ولا جبلا. ولجّج القوم إذا دخلوا في اللجّة. وبحرٌ لجّي واسع اللُّجّة...[2]
- و أيضا نشوان الحميري (500 هـ - 573 هـ) في شمس العلوم :
[اللُّجُّ]: معظم البحر..[3]
- و ابن منظور (630- 711 هـ) في لسان العرب :
ولُجَّةُ البَحْر: حَيْثُ لَا يُدْرَكُ قَعْرُه. ولُجُّ الْوَادِي: جانبُه. ولُجُّ البحرِ: عُرْضُه؛ قَالَ: ولُجُّ البحرِ الماءُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُرَى طرَفاه، وَذَكَرَ ابْنُ الأَثير فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ إِذا التَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ أَي تَلاطَمَتْ أَمْواجُه؛ والتَجَّ الأَمرُ إِذا عَظُمَ واخْتَلَطَ. ولُجَّةُ الأَمرِ: مُعْظَمُه. ولُجَّةُ الماءِ، بِالضَّمِّ: مُعْظَمُه، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ مُعْظَمَ الْبَحْرِ، وَكَذَلِكَ لُجَّةُ الظَّلامِ، وَجَمْعُهُ لُجٌّ ولُجَجٌ ولِجاجٌ.. [4]
والمراد بالموضع الذي «لا يُدرك قعره» هو الجزء البعيد من البحر عن اليابسة، حيث لا يظهر للناظر قعره، لا أن اللُّجَّة اسمٌ لعمق البحر أو طبقاته السحيقة. ويؤيد ذلك تفسيره أيضًا بأن «لُجَّ البحرِ الماءُ الكثيرُ الذي لا يُرى طرفاه»، وهو وصفٌ للبحر الممتد البعيد عن الساحل، لا لتعريف اللُّجَّة بأنها الأعماق.
و يعضض هذا ما نقله الذهبي عن الصحابي أبو موسى الأشعري في سير أعلام النبلاء :
عَنْ أَبِي مُوْسَى، قَالَ: غَزَوْنَا فِي البَحْرِ، فَسِرْنَا؛ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي لُجَّةِ البَحْرِ، سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِيْ: يَا أَهْلَ السَّفِيْنَةِ، قِفُوْا أُخْبِرْكُمْ...[5]
وبغضِّ النظر عن صحة إسناد هذا الأثر، فإن الشاهد منه لغويٌّ لا حديثي؛ إذ المقصود الاستدلال على كيفية استعمال العرب لهذا اللفظ في عصر الاحتجاج. ولو كان البحر اللُّجِّي أو اللُّجَّة تعني أعماق البحر، لكان أبو موسى ومن معه قد احتاجوا إلى غواصة لا إلى سفينة، بينما نصُّ الأثر صريحٌ في أنهم كانوا يركبون البحر على ظهرها، مما يدل على أن اللُّجَّة هنا تعني معظم البحر ووسطه، أي الموضع البعيد عن اليابسة، لا أعماقه السحيقة.
المحور الثالث : معنى الآية عند جمهور المفسّرين
قبل القفز إلى التفسير الإعجازي الحديث، من المهم الرجوع إلى كيفية فهم المفسّرين للآية عبر القرون، لأن تفسير النص يُؤخذ أولًا من سياقه اللغوي وأقوال أهل التفسير، لا من إسقاطات علمية معاصرة.
فعند مراجعة كتب التفسير القديمة والمعتمدة، نجد أن جمهور المفسرين فهموا الآية على أنها تصويرٌ بلاغيّ لمشهد بحرٍ شديد الظلمة، تتراكم فوقه الأمواج والسحب، من أجل تشبيه حال الكافر في الضلال والحيرة، لا الحديث عن “أمواج داخلية” في أعماق المحيطات.
تفسير ابن القيم :
تصويرٌ لحال هذا المُعرِضِ عن وَحْيِه، فشَبَّه تلاطُمَ أمواجِ الشُّبَهِ والباطِلِ في صدرِه بتلاطُمِ أمواجِ ذلك البحرِ، وأنَّها أمواجٌ بعضُها فوقَ بَعضٍ.[6]
تفسير الشوكاني :
(يجتمِعُ حينئذٍ عليهم خوفُ البحرِ وأمواجِه، والسحابِ المرتفعِ فوقَه. وقيلَ إِنَّ المعنَى: يَغشاهُ موجٌ مِن بعدِ موجٌ، فيكونُ الموجُ يَتْبَعُ بعضُه بعضًا حتَّى كأنَّه بعضَه فوقَ بعضٍ، والبحرُ أخوفُ ما يكونُ إذا توالَتْ أمواجُه، فإذا انْضَمَّ إلى ذلك وجودُ السَّحابِ مِن فوقِه، زادَ الخوفُ شِدَّةً، لأنَّها تَسْتُرُ النُّجومَ الَّتي يَهْتَدي بها مَن في البحرِ، ثمَّ إذا أمطَرت تلك السحبُ وَهَبَّتِ الرِّيحُ المعتادَةُ في الغالبِ عندَ نُزولِ المطرِ، تكاثَفَتِ الهمومُ، وترادَفَتِ الغمومُ، وبَلَغ الأمرُ إلى الغايةِ الَّتي ليسَ وراءَها غايةٌ).[7]
تفسير ابن كثير :
(يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب، ولا [هو] يعرف حال من يقوده، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.[8]
وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: (يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر.[8]
تفسير ابنُ عثيمين :
قَولُه: يَغْشَاهُ مَوْجٌ بمعنى: يغطِّي هذا الكافِرَ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أيضًا؛ أمواجٌ عاليةٌ، لكنْ ما حَدُّ الموجِ الثاني مِن الأوَّلِ؟ يعني: ما الذي يميِّزُ الموجَ الثَّانيَ عن الموجِ الأوَّلِ؟ الجوابُ: إمَّا أن يقالَ بالاتِّجاهِ، يعني: الأمواج تتلاقى؛ موجٌ يأتي مِن هنا، والثَّاني أعلى منه، أتى مِن جهةٍ ثانيةٍ؛ مِن أجْلِ أن يتبيَّنَ عُلوُّ هذا على ذاك، أو أنَّها أمواجٌ مُتلاحِقةٌ، مثلًا مَوجٌ مُقبِلٌ كارتفاعِ الجبَلِ، ووراءَه موجٌ آخَرُ أعلى منه، فإذا لَحِقَه صار مَوجًا مِن فَوقِه مَوجٌ، وأمَّا أنَّه موجٌ واحِدٌ فلا يمكِنُ أن يُفصَلَ بَعضُه عن بعضٍ، ومَن شاهَد البحرَ وجد الأمرَ كذلك؛ تجِدُ أمواجًا متلاحِقةً، أحيانًا إذا انعكس الهواءُ تتقابَلُ، وأحيانًا تتلاحَقُ.[9]
تفسير فتح البيان للقنوجي :
(في بحر لجيّ) معظم الماء، والجمع: لجج، وهو الذي لا يدرك عمقه، ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال: (يغشاه) أي: يعلو هذا البحر (موج) فيستره، ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: (من فوقه) أي من فوق هذا الموج (موج) ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج، وتراكم بعضها فوق بعض…[10]
تفسير السعدي :
ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار…[11]
البسيط للواحدي :
ومعنى ﴿لُجِّيٍّ﴾ له لجَّة، ولجتُه حيث يبعد عمقه، فهو بمعنى العميق، كما ذكره أهل التفسير. قال مقاتل: والبحر إذا كان عميقًا كان أشد لظلمته. وقوله ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي يَــعْلو ذلك البحر اللجّي موج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ قال ابن عباس: يريد موجًا من فوق الموج.[12]
تفسير الدرر السنية :
يَعلو ذلك البَحرَ اللُّجِّيَّ مَوجٌ، ومِن فوقِ الموجِ مَوجٌ آخَرُ يَعلوه، ومِن فَوقِ الموجِ الثَّاني سَحابٌ مُظلِمٌ.[13]
الشرح الإجمالي لتفسير الآية :
تُمثّل الآية صورة حية لحالة الكافر الضائع في ظلمات الكفر والضلال، حيث لا يرى أمامه طريقاً للنجاة، وكأنّه يُبحر في بحر هائجٍ دون بوصلةٍ أو ضوءٍ يُرشده.
فالآية إذا تشير إلى صعوبة هداية الكافرين الذين يبتعدون عن وحيه، ويشبه قلبهم ببحرٍ عميقٍ مظلمٍ، تتلاطم فيه الأمواجُ العاتيةُ، وتُغطّيه الغيومُ السوداءُ الكثيفةُ.
أمثلة للتوضيح :
- تخيل شخصًا يقف في وسط بحر عظيم، تحيط به الأمواج العاتية من كل جانب، والسماء مغطاة بسحب كثيفة، لا يرى فيها شمسًا ولا قمرًا. هذا الشخص يشعر بالخوف والضيق، لا يدري أين يذهب ولا ماذا يفعل.
- لنفترض رجلاً يُبحر في قارب صغير وسط بحر هائج. يواجه أمواجاً عاتية تتلاطم فوقه، وفوقها سماءٌ مُلبّدةٌ بسحبٍ سوداء تُخفي النجومَ والضوءَ. في هذه الحالة، يشعر الرجل بالخوفِ والضياعِ، فلا يرى أمامه شيئاً ولا يدري أين يتجه.
المحور الرابع: هل فكرة “الأمواج العميقة” جديدة أصلًا؟
إذا كان مجرد ذكر “موج فوق موج” أو “أمواج عميقة” يُعدّ سبقًا علميًا خارقًا، فسنجد أنفسنا مضطرين لتطبيق المنطق نفسه على حضارات وأساطير سبقت الإسلام بقرون طويلة.
ففي الموروث اليوناني القديم نجد شخصية تُدعى Benthesikyme، وهي ابنة إله البحر بوسيدون. واسمها اليوناني Βενθεσικυμη مركّب من:
- benthos = العمق
- kyma = الموج
«Benthesikyme: a sea nymph... Her name means "Lady of Deep-Swells" from benthos (depths) and kyma (waves).» [14]
أي أن معنى الاسم حرفيًا: "سيدة الأمواج العميقة" أو "الموجة العميقة". وهذه الشخصية مذكورة في كتاب Bibliotheca (المكتبة) للمؤلف المعروف بـPseudo-Apollodorus، وهو مجمَّع أسطوري كان يُنسب تقليديًا إلى العالم اليوناني أبولودوروس الإسكندري الذي ازدهر في القرن الثاني قبل الميلاد [15]، لكن الباحثين يرجّحون أنه من تأليف مجهول يُعرف بـ Pseudo-Apollodorus، ويُقدَّر تاريخ تأليفه في القرن الأول أو الثاني الميلادي.
وهنا تظهر المفارقة:
اليوم يتحدث الإعجازيون عن “الأمواج العميقة” أو “الأمواج الداخلية” باعتبارها اكتشافًا علميًا حديثًا، ثم يُقدَّمون أي نص قديم قد يوحي الى ذكر الموج في العمق بوصفه إعجازًا علميًا. لكن إذا اتبعنا هذا المنهج، فسنضطر أيضًا للقول إن الإغريق امتلكوا هم كذلك معرفة خارقة بالمحيطات قبل آلاف السنين.
بل يمكن بنفس طريقة الاستدلال الإعجازي صياغة الحجة على النحو التالي:
- الإغريق تحدثوا عن “موجة عميقة”.
- والعلم الحديث اكتشف “الأمواج العميقة”.
- إذن لا بد أن لديهم معرفة متقدمة سبقت عصرهم!
لكن هذا النوع من الاستدلال قائم على التشابه اللفظي لا أكثر، ولا يُثبت وجود معرفة علمية دقيقة. فالبشر منذ القدم كانوا يربطون البحر بالأعماق والحركة والأمواج، ومن الطبيعي أن تظهر تعبيرات مثل “الموج العميق” أو “البحر العميق” في الأساطير واللغة والشعر دون أن يعني ذلك اكتشافًا علميًا لظاهرة فيزيائية محددة.
ولهذا فإن مجرد وجود عبارة يمكن إسقاطها لاحقًا على مفهوم علمي حديث لا يكفي لإثبات الإعجاز، وإلا لوجب اعتبار كثير من الأساطير القديمة “معجزات علمية” أيضًا.
المحور الخامس : الظلام في أعماق المحيط
يضيف بعضُ أنصار الإعجاز العلمي شقًّا آخر للدعوى، مفادُه أن الآية تشير إلى الظلمة الشديدة في أعماق المحيطات، وأن تدرُّج الضوء في الماء حتى اندثاره كليًا في الأعماق ظاهرةٌ - بحسب زعمهم لم يكن بإمكان إنسان القرن السابع أن يعرفها.
وقد تقدّم في المحورين الثاني والثالث إثباتُ أن الآية لا تشير من الأساس إلى عمق المحيط، وأن الموج المذكور فيها موجٌ سطحي يعلو الماء من أعلى لا ينشأ من قاعه. وبناءً على هذا، يسقط تلقائيًا هذا الشقُّ الثاني من الدعوى بأكمله، إذ لا محلَّ للحديث عن تدرُّج الضوء في الأعماق أصلًا في نصٍّ لا يتحدث عن الأعماق.
غير أننا، تنزُّلًا مع الخصم ولزيادة إحكام الحجة، نسلّم جدلًا بأن هذا هو المقصود من الآية، لنبيّن أن الدعوى تسقط من وجهٍ آخر مستقل: فالمسألة برمّتها مسألةٌ تجريبية محضة تُلاحَظ بالعين المجردة، ولا تحتاج إلى أي أداة أو نظرية علمية حديثة لإدراكها.
فمن المشاهدات اليومية البدهية أن الماء يمتص الضوء، وأن كمية الضوء النافذ تتناقص كلما ازداد العمق؛ وهذه ملاحظةٌ يمكن لأي إنسان - قديمًا أو حديثًا أن يتوصل إليها بمجرد النظر: فلو نظر الناظر إلى الماء من على سطح البحر، أو حتى من مكانٍ ليس بالعميق، فلن يرى إلا ظلامًا. ومن هذه الملاحظة المباشرة يمكن استنتاج أن الظلمة تشتد كلما ازداد العمق، دون الحاجة إلى غوصٍ فعلي أو معرفةٍ بقوانين الفيزياء الضوئية أو معدلات امتصاص الطيف.
وبعبارة أخرى: هذه ليست معلومةً "غيبية" يستحيل الوصول إليها بالحواس، بل هي استنتاجٌ منطقي بسيط من مقدمةٍ محسوسة - وهي أن الماء يحجب الضوء، ويزداد هذا الحجب كلما زاد سُمك الماء الذي ينفذ خلاله وهو استنتاجٌ في متناول أي إنسان عاقل عاش قرب البحر، ولا يستلزم علمًا تجريبيًا متطورًا كأجهزة قياس شدة الإضاءة تحت الماء أو الغواصات.
وبهذا يتبيّن أن دعوى الإعجاز في هذا الشق تسقط من وجهين مستقلين: من جهةٍ أن الآية أصلًا لا تتحدث عن الأعماق كما تقدّم في المحورين الثاني والثالث، ومن جهةٍ أخرى أنه حتى لو سُلِّم جدلًا بأنها تتحدث عنها، فالمعلومة ذاتها بديهية الإدراك بالمشاهدة الحسية المباشرة، ولا تستدعي أي سبقٍ علمي خارقٍ للعادة.
قائمة المراجع
[1] المحيط في اللغة – الصاحب بن عباد (٦ / ٤٠٨) / الرابط
[2] البارع في اللغة – أبو علي القالي (٥٦٧) / الرابط
[3] شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم – نشوان الحميري (٩ / ٥٩٥٩) / الرابط
[4] لسان العرب – ابن منظور (٢ / ٣٥٤) / الرابط
[5] سير أعلام النبلاء - ط الرسالة – شمس الدين الذهبي (٢ / ٣٩٢) / الرابط
[6] التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم – ابن القيم (٤٠٠) / الرابط
[7] فتح القدير للشوكاني – الشوكاني (٤ / ٤٦) / الرابط
[8] تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (٦ / ٧١) / الرابط
[9] تفسير العثيمين: النور – ابن عثيمين (٢٧٨) / الرابط
[10] فتح البيان في مقاصد القرآن – صديق حسن خان القِنَّوجِي (٩ / ٢٣٨) / الرابط
[11] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن – عبد الرحمن السعدي (٥٦٩) / الرابط
[12] التفسير البسيط – الواحدي (١٦ / ٣١١) / الرابط
[13] موسوعة التفسير للدرر السنية / الرابط
[14]Atsma, Aaron J. “Benthesikyme (Benthesicyme) – Ethiopian Sea Nymph of Greek Mythology.” Theoi Project. Accessed July 20, 2026. Theoi Project – Benthesikyme
[15]Pseudo-Apollodorus, Bibliotheca 3.15.4, trans. James George Frazer (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1921) : Link
مقالات ذات صلة
نقد دعوى الإعجاز العلمي في آية «إعصار فيه نار»
تطابق مسافة مكة وهجر أو بصرى: نقد دعوى الإعجاز العلمي
الرد على دعوى إعجاز النجم الطارق
