حيث تتلاشى الخرافة

تفنيد دعوى الإعجاز العلمي في آيات «مرج البحرين»

تفنيد دعوى الإعجاز العلمي في آيات «مرج البحرين» من خلال أقوال المفسرين الأوائل وبيان أن ظاهرة تمايز المياه كانت معروفة وقابلة للملاحظة قبل الإسلام.

تفنيد دعوى الإعجاز العلمي في آيات «مرج البحرين»

أولا: تمهيد

يتداول كثير من أنصار "الإعجاز العلمي" صورًا لالتقاء مسطحين مائيين متمايزي اللون، مستدلين بها على وجود إشارة علمية سابقة لعصرها في قول القرآن:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)﴾ [1]

وقوله:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [2]

وقوله:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [3]

وتهدف هذه المقالة إلى مساءلة هذا الزعم، عبر خطوتين: الأولى، العودة إلى أقوال المفسرين الأوائل في تأويل مفردات هذه الآيات لبيان مدى اتساع دائرة الخلاف فيها؛ والثانية، بيان أن الظاهرة الطبيعية التي يُستشهد بها وهي التمايز المرئي بين الماء العذب والمالح عند التقائهما لم تكن غائبة عن الإدراك البشري في العصور القديمة، سواء في البيئة العربية أو خارجها.

ثانيا: تعدد الأقوال التفسيرية في تأويل مفردات النص

اختلف الصحابة والتابعون في تفسير معظم مفردات هذه الآيات، على النحو التالي:

1. لفظ "مرج"

فسّر جمهور المفسرين لفظ "مرج" بمعنى الإرسال والتخلية. يقول الطبري في جامع البيان: "يعني بقوله: مَرَجَ: أرسل وخلى، من قولهم: مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها" [4]، ونقل عن ابن عباس في قول القرآن ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أنه قال: "أي: أرسلهما" [4]. بينما ذهب فريق آخر إلى أن "مرج" بمعنى الخلط والمزج، فيكون المعنى أن الله مزج ماء البحرين وأرسل أحدهما في الآخر.

2. المراد بـ"البحرين"

هذا هو موضع الخلاف الأوسع بين المفسرين، وقد تعددت فيه الأقوال تعددا كبيرا:

  • قيل: بحر فارس وبحر الروم؛ وقيل: بحر الشام واليمن؛ وهو ما نُقل عن الحسن وقتادة [4].
  • قيل: البحر المالح والأنهار العذبة؛ وممن نقل هذا القول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، إذ يقول: "وقال ابن جريج: إنه البحر المالح والأنهار العذبة" [6].
  • قيل: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام؛

وهذا القول هو الذي رجّحه الطبري نفسه، إذ يقول:

"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُني به بحر السماء، وبحر الأرض، وذلك أن الله قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطَرْ ماء السماء، فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء" [4].

وهذا الترجيح مبني عند الطبري على تفسيره لآية ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ بأن اللؤلؤ يتولد من قطرات المطر النازلة من السماء إذا وقعت في أفواه الأصداف؛ وقد روى بسنده عن ابن عباس قوله: "إن السماء إذا أمطرت تفتحت لها الأصداف، فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ" [4].

غير أن ابن كثير خالف هذا الترجيح صراحة، فعقّب عليه بقوله: "وهذا وإن كان هكذا، ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ" [5].

وينبني على هذا الخلاف في تحديد "البحرين" خلاف آخر أعمق: فقد رأى فريق من المفسرين أن آيات سورة الرحمن تتحدث أصلا عن بحرين مختلفين عن العذب والمالح المذكورين في سورتي فاطر والفرقان (كالقول ببحر فارس والروم، أو ببحر السماء والأرض)، فلم يجمعوا بين الآيات الثلاث في مرجع واحد، خلافا لما يفترضه الخطاب الإعجازي من تطابق تلقائي بين السياقات الثلاثة.

3. دلالة "لا يبغيان"

فسّرها بعضهم بـ"لا يختلطان"، وفسّرها آخرون بـ"لا يطغى أحدهما على الآخر فيفسد خواصه"، أي يظل المالح مالحا والعذب عذبا رغم التقائهما. يقول الطبري: "بينهما حاجز وبعدٌ، لا يُفسد أحدهما صاحبه فيبغي بذلك عليه" [4].

4. ماهية "البرزخ"

هنا يظهر تباين جوهري بين الطبري وابن كثير. فبينما يرى الطبري أن مصطلح "برزخ" واسع الدلالة في لغة العرب ولا يستلزم بالضرورة جسما ماديا حائلا، إذ يقول: "وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، وما بين الدنيا والآخرة برزخ" [4] – يذهب ابن كثير إلى تضييق الدلالة وحصرها في حاجز مادي محسوس، فيفسر قول القرآن ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ بقوله: "أي: بين العذب والمالح، (برزخا) أي: حاجزاً، وهو اليَبَس من الأرض، (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) أي: مانعاً أن يصل أحدهما إلى الآخر" [5]. وينقل أيضا عن ابن زيد في تفسير "لا يبغيان": "منعهما أن يلتقيا، بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما" [5].

فالفارق بين القولين ليس فارقا لفظيا: الأول يجعل "البرزخ" مجرد فاصل مجرد أو معنوي أيًّا كانت طبيعته، والثاني يشترط فيه أن يكون جسما أرضيا ملموسا.

ولمزيد من التفصيل في مناقشات المفسرين حول هذه الآيات، يمكن الرجوع إلى ابن كثير [5]، والقرطبي [6]، والبغوي [8]، والرازي [10]، وإلى ما جمعه السيوطي من طرق الروايات في الدر المنثور [9].

ثالثا: مساءلة الدعوى الإعجازية

يتبين مما سبق أن آيات «مرج البحرين» لم تكن عند المفسرين الأوائل ذات دلالة واحدة حاسمة، بل احتملت عند السلف أنفسهم معاني متعددة ومتباينة؛ ففسّرها بعضهم في إطار ظواهر جغرافية مشاهَدة، كبحر فارس وبحر الروم، أو النهر والبحر، بينما حملها آخرون على معنى متصل بعالم السماء، كبحر السماء والأرض ونزول اللؤلؤ من ماء المطر. وحتى الذين فسّروا الآيات في إطار ظاهرة طبيعية اختلفوا في تحديد طبيعة «البرزخ»: أهو حاجز مادي محسوس، كما يظهر في تفسير ابن كثير [5]، أم حاجز أوسع دلالة لا يلزم أن يكون جسما ماديا، كما عند الطبري [4]؟

ولنفترض، جدلا، أننا اخترنا التفسير الأقرب إلى مراد أصحاب دعوى الإعجاز، وهو: التقاء واختلاط ماء النهر بماء البحر مع بقاء كلٍّ منهما محتفظًا بخصائصه. رغم هذا الالتقاء. فهل يستلزم هذا الوصف، في ذاته، وجود خط فاصل واضح ومرئي بين المسطحين المائيين؟

الجواب أن ذلك لا يلزم من اللفظ القرآني. فالمشاهد والمعلوم بداهة أن النهر حين يصب في البحر يلتقي بمائه، ومع ذلك لا يعني هذا أن النهر ككل يفقد صفاته، بل تظل خصائص كل من النهر والبحر قائمة رغم حدوث التداخل في منطقة محدودة، والمثير للشفقة ان الاعجازيين انفسهم يترددون هنا فتارة يقولون ان البرزخ هو خط فاصل رفيع (وهي ظاهرة تحدث احيانا في بعض المسطحات المائية) وتارة يقولون هي منطقة التداخل بحد ذاتها ويسمونها (الحجر المحجور)، فجعلوا اعجازهم ينقض بعضه بعضا.

فإن كان لفظ الآية لا يستلزم وجود ذاك الخط الفاصل الذي صدعوا رؤوسنا به، فعلى أي أساس يدعون أن القرآن ذكره؟ ولماذا نفترض ذلك اساسا بدلا من ان نفهم الاية بانها تشير الى الامر البديهي المعروف: مجرد بقاء التمايز بين النهر والبحر بعد الالتقاء بحيث لا يلغي احدهما وجود الاخر. هذا ان لم ناخذها بالمعانى الاخرى التي اقترحها المفسرون، والابعد بطبيعة الحال عن مراد الاعجازيين.

ثم سنرى في السطور القادمة انه حتى ظاهرة "الخيط الفاصل" لم تكن مجهولة للقدماء، بل يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، وفي اماكن قريبة من بيئة محمد.

رابعا: ظاهرة تمايز الماءين معروفة قبل الإسلام وبعده

1. شهادة الطبري على إمكانية الرصد بالعين المجردة

ينقل الطبري في تفسيره لآية سورة الفرقان عمن عاين مصب النهر في البحر، قوله:

"فلم أجد بحرا عذبا إلا الأنهار العذاب، فإن دجلة تقع في البحر، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر، فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر، والنيل يصبّ في البحر" [7].

وهذا النص – وهو من القرن الثالث الهجري – يوثّق أن ملاحظة الخط الفاصل ("مثل الخيط الأبيض") بين ماء النهر وماء البحر كانت معروفة لأهل ذلك العصر بالمشاهدة المباشرة والنقل عن شهود عيان، لا بوحي أو كشف علمي حديث.

2. نماذج معاصرة موثقة

وتُلاحظ الظاهرة ذاتها اليوم في مواضع متعددة من العالم؛ منها التقاء البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وهو ما وثّقه مقطع مصور بعدسة شابين يمنيين [12]، وكذلك التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض في الخرطوم، حيث يظهر خط تمايز واضح بين لوني المجريين قبل امتزاجهما الكامل، وهو مشهد موثق بكثرة في الصور الفوتوغرافية المتداولة لهذا الموضع.

فإذا كانت الظاهرة طبيعية قابلة للرصد بالعين المجردة في أماكن معينة، كما يظهر في المثال السابق، فأين وجه الإعجاز؟ ولا يلزم أن يكون النبي قد شاهدها بنفسه؛ إذ يمكن أن تصله المعلومة ممن شاهدها أو من البحارة وأهل السواحل الذين عرفوا مثل هذه الظواهر. كما أن احتمال مشاهدته لها شخصيا ليس مستحيلا، فقد سافر قبل البعثة مسافات طويلة في التجارة، منها رحلته إلى الشام، ولا دليل على أن اطلاعه على مثل هذه الظواهر أو سماعه عنها كان أمرا متعذرا.

3. الشاهد الأرسطي

ويشهد لقدم إدراك الإنسان لتمايز الماء العذب عن المالح ما ورد عند أرسطو (ت 322 ق.م) في كتابه الآثار العلوية (Meteorology)، إذ يقول في سياق حديثه عن دورة الماء وتفسير ملوحة البحر:

"The drinkable, sweet water, then, is light and is all of it drawn up: the salt water is heavy and remains behind, but not in its natural place." [11]

أي: إن الماء العذب الصالح للشرب خفيف فيُسحب كله إلى الأعلى (يتبخر)، أما الماء المالح فثقيل يبقى في مكانه. وسياق كلام أرسطو هنا مختلف عن موضوع التقاء النهر بالبحر تحديدا، إذ يتناول تفسير ملوحة مياه البحار عبر دورة التبخر، غير أن النص يشهد على أن فكرة ميل الماء العذب إلى الانفصال والتمايز عن المالح كانت متصوَّرة ومتداولة في الفكر الطبيعي اليوناني قبل الإسلام بقرون.

خامسا: خاتمة

يتضح مما سبق أن آيات "مرج البحرين" تحتمل عند المفسرين الأوائل أنفسهم أكثر من معنى واحد، سواء في تحديد المراد بـ"البحرين"، أو في ماهية "البرزخ"، أو في دلالة "لا يبغيان"؛ وأن فريقا من كبار المفسرين، على رأسهم الطبري، فسّرها بمعنى بعيد كل البعد عما يستند إليه الخطاب الإعجازي [4]. وحتى في حال تبني التفسير الأقرب إلى دعوى الإعجاز التقاء النهر بالبحر مع بقاء تمايزهما فإن هذه الظاهرة موثقة الملاحظة بالعين المجردة منذ القرون الأولى للإسلام كما تنقله كتب التفسير [7]، بل يعود تصورها في جوهره إلى الفلسفة الطبيعية اليونانية قبل الإسلام بقرون [11]. ومن ثم، فلا يبقى مجال معقول للزعم بأن هذه الآيات تحمل إشارة علمية سابقة لعصرها أو خافية عن إدراك أهل ذلك الزمان.

المصادر والمراجع

[1] القرآن الكريم، سورة الرحمن، الآيات 19–22.

[2] القرآن الكريم، سورة فاطر، الآية 12.

[3] القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية 53.

[4] الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة الرحمن، الآيات 19–22. / هنا

[5] ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر (ت 774هـ)، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة الرحمن، الآيات 19–22، وتفسير سورة الفرقان، الآية 53. / هنا

[6] القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت 671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الرحمن، الآية 19. / هنا

[7] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة الفرقان، الآية 53 (نقلا عن ابن جريج). / هنا

[8] البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود (ت 516هـ)، معالم التنزيل، تفسير سورة الفرقان، الآية 53.

[9] السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، تفسير سورة الرحمن، الآيات 19–20. / هنا

[10] الرازي، فخر الدين محمد بن عمر (ت 606هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، تفسير سورة الفرقان، الآية 53.

[11] Aristotle, Meteorology, Book II, Chapter 2, translated by E. W. Webster, The Internet Classics Archive, Massachusetts Institute of Technology. Available at: هنا

[12] مقطع مصور لالتقاء مياه البحر الأحمر بمياه المحيط الهندي، يوتيوب: هنا (الدقيقة 2:50).


الأَعْرَاف - Al a3raf

الأَعْرَاف - Al a3raf

مجموعة لادينية مَوضوعية مهتمة بنقد النبوات

منسق المقالات

منسق المقالات

لاديني متخصص في الرد على ادعاءات الإعجاز العلمي والتاريخي وتفنيد مزاعم المؤمنين