الرد على دعوى إعجاز النجم الطارق
تعد دعوى إعجاز النجم الطارق من أكثر إدعاءات الإعجاز العلمي انتشارا بين عامة الناس في العالم الإسلامي، ولا بد أن أغلبنا قد سمع عن هذا الإدعاء في فترة من حياته، والذي يدعي أن القرأن يشير للنجوم النابضة التي بقيت مجهولة لوقت طويل في سورة الطارق، لكن هل يصمد هذا الإدعاء أمام التحقيق؟ سنرى ذلك في المقال
تُعدّ دعوى إعجاز النجم الطارق من أكثر ادعاءات الإعجاز العلمي انتشاراً بين عامة الناس في العالم الإسلامي، ولا بد أن أغلبنا قد سمع بهذه الدعوى في مرحلة من مراحل حياته؛ إذ تزعم أن القرآن أشار إلى النجوم النابضة - Pulsars التي ظلت مجهولة للبشرية حتى وقت قريب في سورة الطارق بقوله :
(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ) [الطارق: 3].
حيث أشار القرأن لهذا النوع من النجوم بالطارقة، والتي حسب الإعجازي عبد الدائم الكحيل تصدر صوتا يشبه صوت المطرقة فهي طارقة، بل و يسميها العلماء ب"المطارق الكونية" وتصدر أشعة غاما وموجات جذب ثاقبة فتكون بذلك أيضا ثاقبة
ملخص لدعوى إعجاز النجم الطارق من عبد الدائم الكحيل
لكن هل يصمد هذا الإدعاء امام التحقيق؟ سنرى ذلك في هذا المقال:
أولا: فهم الصحابة للأيات:
قبل أن نبدأ بالنقد العلمي لماذا لا نقوم بجولة لنرى كيف فهم الصحابة هذه الآيات؟
من تفسير القرطبي: (الطارق: 1،2،3)
- فالطارق : النجم ، اسم جنس ، سمي بذلك ; لأنه يطرق ليلا ، ومنه الحديث : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطرق المسافر أهله ليلا ، كي تستحد المغيبة ، وتمتشط الشعثة . والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقا . يقال : طرق فلان إذا جاء بليل . وقد طرق يطرق طروقا ، فهو طارق .
- قتادة : هو عام في سائر النجوم ; لأن طلوعها بليل ، وكل من أتاك ليلا فهو طارق .
- وفي الصحاح : والطارق : النجم الذي يقال له كوكب الصبح . ومنه قول هند [ بنت بياضة بن رباح بن طارق الإيادي ] :
نحن بنات طارق نمشي على النمارق، أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء .
- وعن ابن عباس وعطاء : الثاقب : الذي ترمى به الشياطين.
- عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدا مع أبي طالب ، فانحط نجم ، فامتلأت الأرض نورا ، ففزع أبو طالب ، وقال : أي شيء هذا ؟ فقال : " هذا نجم رمي به ، وهو آية من آيات الله " فعجب أبو طالب ، ونزل : والسماء والطارق
- الثقوب : ما تشعل به النار من دقاق العيدان . وقال مجاهد : الثاقب : المتوهج . القشيري والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم ، كما ذكرنا عن مجاهد .
— تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (٢٠ / ٢)
• من تفسير ابن كثير: (الطارق: 3)
- وقوله تعالى "الثاقب" قال ابن عباس المضيء وقال السدي يثقب الشياطين إذا أرسل عليها وقال عكرمة هو مضيء ومحرق للشيطان.
— تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي – ابن كثير (٧ / ٥٣٧)
خلاصة كلام التفاسير وملاحظات عليه :
1- الطارق عند العرب وحتى في الحديث النبوي هو الزائر الذي يطرق بابك ليلاً، فسمي النجم طارقاً لأنه يأتي في الليل. هذا الاستعمال معروف في الجاهلية بدليل قول هند بنت بياضة بن رباح: "نحن بنات طارق". بل جاء حتى في سجع زبراء الكاهنة: "والليل الغاسق ؛ واللوح الخافق ؛ والصباح الشارق ؛ والنجم الطارق والمزن الوادق" (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب للألوسي - باب زبراء الكاهنة).
2- الثاقب تعني المتوقد المنير، وقد تعني أنه يثقب الشياطين كما في الآية: "إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" (الصافات: 10)، ولمن لا يعلم فالقرآن لا يفرق أصلاً بين النجوم والشهب: "زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين" (الملك: 5).
3- ابن عباس ترجمان القرآن يوافق على هذا المعنى.
4- حتى أسباب النزول تشير إلى هذا المعنى.
النتيجة :
كل المؤشرات تدل على معانٍ ليس لها علاقة بما يحلم به الكحيل وباقي الإعجازيين، والكلمات معروفة عند العرب ومفهومة من مقارنة النص مع آيات قرآنية أخرى. الصورة واضحة تماماً وليس فيها أدنى ثغرة ليدخل منها الإعجازيون ويعيدوا اختراع العجلة.
اعتراضات بعض الإعجازيين:
الإعتراض الأول :
- "القرآن يفسر مصطلح الطارق بعد ذكره مما يدل على أنه يجترح مصطلحا جديدا غير معروف عند العرب، وعليه فكل ما ورد من أخبار تخالف ذلك فيجب أن نعدها مختلقة بعد الإسلام".
الرد: حتى لو صح ذلك فهو لا ينفي أن كلمة "طارق" نفسها معروفة عند العرب بمعنى الزائر الذي يأتي ليلا، فحتى لو كان القرآن أول من سمى النجم طارقا فلن نفهم هذه التسمية إلا بمعنى أن النجم يأتي ليلا لأن هذا هو الفهم الذي يوافق استعمال العرب لكلمة "طارق". المهم أن التسمية لها أصل سابق في لغة العرب ولن ننتظر الإعجازيين ليعيدوا اختراع العجلة.
الإعتراض الثاني :
- "صيغة "وما أدراك" تستعمل للتهويل وتدل على شيء غير مألوف للسامعين وبالتالي لا يمكن أن تشير إلى مشاهدة اعتيادية مثل توهج النجوم في الليل".
الرد: هذه ليست مشكلة على الإطلاق فمن الأقوال في تفسير الآية أن النجم الطارق هو النجم الذي يثقب الشياطين وهذا أمر غيبي غير مألوف ولا مشاهد يصح التعبير عنه بصيغة "وما أدراك".
إلى هنا نكون انتهينا من الجوانب اللغوية والتفسيرية وتكونت لدينا فكرة واضحة عما تعنيه الآيات حقاً. وحان وقت الغوص مع الإعجازيين في عالمهم الخاص لنرى إن كانوا على شيء هذه المرة.
قبل المتابعة :
ذكرنا أن مصطلح "النجم الطارق" جاء في بعض أخبار الجاهلية مثل قول هند بنت بياضة بن رباح: "نحن بنات طارق"، وسجع زبراء الكاهنة "والنجم الطارق"، فمن أراد التعمق في مدى ثبوت هذه الأخبار فليراجع المقالين الآتيين:
الرد على إعجاز النجم الطارق - جمعية أنصار الحقيقة والإنسان
ثانيا: الرد العلمي:
الادعاء 1: النجم النابض يصدر صوتاً يشبه صوت المطرقة.
والحقيقة أن هؤلاء الإعجازيين يقعون في خلط كبير حول طبيعة النجوم النابضة. فالنجم النابض لا يُصدر صوت نبض ولا صوت طرق، وليس له أي صوت مميز البتة؛ كل ما في الأمر أنه خلال دورانه السريع يبثّ موجات إشعاعية في اتجاه محدد كالمنارة الدوارة، فحين تقع أجهزتنا في مواجهة هذا الإشعاع تلتقطه، ثم يعمد العلماء إلى إعادة تمثيل الإشعاعات هذه الإشعاعات على شكل صوت مسموع.
والأمر في جوهره بسيط: النجم لا يُصدر صوتاً بذاته، وإنما نحن من نختار طريقة تمثيل إشعاعاته؛ فبإمكاننا تحويلها إلى أصوات، أو إلى ألوان، أو رسمها في منحنى بياني، وهكذا. فالمسألة رهينة باختياراتنا نحن لا بطبيعة النجم. فضلاً عن ذلك، فإن هذه العملية ليست حكراً على النجوم النابضة، إذ يمكن تطبيقها على أي جسم يبثّ إشعاعاً، كالمنارة، بل وحتى مصباح الغرفة العادي.
غير أن المتحمس لهذا الادعاء قد يسأل: لماذا نحصل في بعض الأحيان على صوت يشبه الطرق؟
والجواب أنه ليس من الضروري أصلاً أن يكون الصوت الناتج أشبه بالطرق أو حتى بالنبض، فالأمر يتوقف على طبيعة الموجات الإشعاعية وسرعة دوران النجم. فقد تكون سرعة الدوران عالية جداً حتى تعجز آذاننا عن تمييز الفواصل بين النبضات، فيبدو الصوت لنا متواصلاً لا منقطعاً، وقد يشبه الطنين أو أي صوت آخر لا صلة له بالطرق.
وخير دليل على ذلك هذا الفيديو الذي يعرض سبعة نماذج من أصوات النجوم النابضة؛ واحد منها فحسب يشبه صوت المطرقة، أما البقية فتتراوح بين التشويش والطنين وأزيز الآلات وصوت البوق، وصوت أحدها لا يستحضر في الذهن إلا دويّ المروحة العملاقة.
والجدير بالذكر أن عدد النجوم النابضة المكتشفة حتى اليوم يُقاس بالآلاف، ومن المتوقع أن تتباين أصواتها المُحوَّلة تبايناً كبيراً. ومن هذا الباب بالذات يتسلل الإعجازيون: يُلقون شبكتهم على آلاف النجوم، فإن صادفوا واحداً يُشبه صوته ما يبحثون عنه رفعوه دليلاً ونسوا الباقين
وخلاصة ما سبق أن مصطلح Pulsar لا صلة له بصوت النبض كما يتوهم السامع العربي حين يسمع "نجم نابض". فكلمة Pulse الإنجليزية لا تقتصر على نبض القلب، إذ جاء في معجم Merriam Webster أن من معانيها كل اهتزاز أو حركة ذات وتيرة إيقاعية منتظمة. ومن ثَمّ فإن التسمية مردّها إلى أن هذه النجوم ترسل إشعاعاتها نحونا بإيقاع منتظم يُشبه الخفقان لا الطرق، ولو خُيِّرتُ لآثرتُ ترجمتها بـ"النجوم الخافقة" بدلاً من النابضة.
بل إن الدقة التامة تقتضي أن نقول: إن هذه النجوم لا "تخفق" هي بذاتها، فهي تبثّ إشعاعها باستمرار دون انقطاع، غير أننا نمر عبر مجال إشعاعها بوتيرة منتظمة تُوحي إلينا بالخفقان. فنحن في الحقيقة من "ينبض" بالنسبة إليها، لا هي.
النتيجة:
وعليه فإن تصور الإعجازيين للنجوم النابضة مغلوط من أساسه: مغلوط في فهم سبب التسمية، ومغلوط في طبيعة الأصوات المنسوبة إليها، ومغلوط في دلالة المصطلح العلمي ذاته.
المراجع:
أنا اصدق العلم - ماهي النجوم النابضة
How is the sound made from the pulsar signal?
"كيف يُصنع الصوت من إشارة النجم النابض؟ تأتينا منه موجات إشعاعية أشبه بالضوء وليست بصوت، التلسكوب الإشعاعي يوازي عمله عمل الراديو إذ يسجل موجات الإشعاع التي تستخدم لصناعة الصوت من الإشارة المسجلة".
الادعاء 2: العلماء يطلقون على النجوم النابضة تسمية "المطارق الكونية".
هذا ادعاء يستطيع أي واحد منا التأكد من صحته بنفسه، فقط اكتب cosmic hammer في محرك البحث وأخبرني إن وجدت شيئا في موقع علمي أو خارج صفحات الإعجازيين. أنا شخصيا جربت ولم أجد، ربما يكون حظك أفضل مني.
ولكن من أين جاء الكحيل بهذا الهراء؟ كما هو متوقع، بحث عن شيء له علاقة بشيء آخر ثم أخرجه من سياقه وأعاد تقديمه بالطريقة التي توافق مزاجه. في الصورة نرى مقالا حول زلزال نجمي starquake وقع على النجم النيوتروني (النابض)، فحدث انفجار كبير على سطحه جعله "يرن مثل الجرس" وكأن "مطرقة عملاقة طرقته" على حد تعبير أحد العلماء. ولكن أين في هذا الكلام أن النجم نفسه مطرقة أو طارق؟ أين صوت الطرق على الأقل؟ ربما كان على القرآن أن يسميه النجم المطروق أو النجم الرنان أو النجم الجرس! لو وجدنا في أساطير المايا مثلا أسطورة عن نجم تحول إلى جرس فهل سيذهب الإعجاز إليهم؟
وفي المحصلة، فإن ما أورده الكحيل ليس سوى ظاهرة نادرة طرأت على أحد النجوم، ولا تشترك مع فكرة "الطارق" إلا في تشابه سطحي عابر، فانتهز الإعجازيون الفرصة كعادتهم وحوّلوها إلى "معجزة". بيد أن هذا المنهج لا يصلح أساساً للاستدلال؛ إذ إن الكون من السعة بحيث يمكن لأي وصف يخطر على البال أن يجد له نظيراً في مكان ما، ولو على سبيل التشابه الشكلي لا الحقيقي.
وهذا النوع من التشابهات لا يستحق أن يُسمّى مصادفة، لأن المصادفة تفترض احتمالاً منخفضاً، في حين أن من يرمي النرد ملياراً من المرات لا يُفاجأ حين يحصل على تسلسل مميز بينها؛ فهذه نتيجة متوقعة لا استثناء مثير للدهشة. وكذلك الكون: اتساعه الهائل يجعل العثور على تشابهات سطحية أمراً حتمياً لا معجزاً.
في مقال آخر منشور على موقعه، أورد الكحيل هذه الاقتباسات في الصورة محاولا أن يربط النجم بالمطرقة بأي ثمن. سنرد عليها أيضا كي نستوفي البحث.
- أما الاقتباس الأول فلا يصف النجم بأنه مطرقة، بل يقول إن سطحه لو طُرق بمطرقة لرنّ كالجرس. وهذا لا يخدم حجتهم في شيء، إذ يجعل النجم جرساً مطروقاً لا طارقاً، فلا نجد فيه ما يستوقفنا.
- وأما الاقتباس الثاني فمأخوذ من مقال علمي يتناول تشكّل العناصر الثقيلة، وقد اقتطعه الكحيل من سياقه اقتطاعاً أفضى إلى تحريف المعنى. والنص كاملاً يقول:
"In this collapse, the Fe nuclei in the central portion of the core are broken down into alpha particles, protons, and neutrons and are compressed even further. However, they cannot be infinitely compressed. Eventually, the outer layers of material rebound off the compressed core and are thrown outward"
الترجمة: أثناء الانهيار، تتفكك نوى ذرات الحديد في لب النجم إلى جسيمات ألفا وبروتونات ونيوترونات، فيزداد انضغاطها. غير أن هذا الانضغاط لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، فتنتهي الطبقات الخارجية إلى الارتداد عن اللب المنضغط قذفاً إلى الخارج.
"This situation can be likened to a rubber ball on the ground that is struck with a hammer. Initially the hammer can compress the rubber ball because of its force, but eventually it is stopped by the density and pressure of the rubber ball reaching its limit, and is thrown back violently by the recoiling rubber ball, which itself will bounce off the surface because of this recoil"
الترجمة: ويمكن تشبيه هذا بكرة مطاطية تُضرب بمطرقة؛ فالمطرقة تضغط الكرة في البداية، غير أن الكرة حين تبلغ حدّ انضغاطها ترتد بعنف فترمي المطرقة، وترتد هي بدورها عن السطح.
"In the star, the outer layers of the core are like the hammer, and the core is the rubber ball. Following the collapse of the inner core, the outer layers of the star are pulled toward the center. This sets the stage for a tremendous collision between the recoiling core layers and the collapsing outermost layers"
الترجمة: وفي النجم، تؤدي الطبقات الخارجية دور المطرقة، فيما يؤدي اللب دور الكرة المطاطية؛ إذ بعد انهيار اللب الداخلي تنجذب الطبقات الخارجية نحو المركز، مما يُهيئ لتصادم هائل بين اللب المرتد وتلك الطبقات المتهاوية.
ومما سبق يتضح أن النص لا يُسند للنجم دور المطرقة البتة، ولا يُشير من قريب أو بعيد إلى صوت الطرق؛ فكلمة "المطرقة" لم ترد فيه إلا تشبيهاً لضغط الطبقات الخارجية على النواة، وهو تشبيه لا علاقة له بما يرومه الإعجازيون.
وخلاصة القول: لا وجود لعبارة "المطارق الكونية" في أي مصدر علمي معتبر؛ وكل ما فعله الكحيل أنه بحث عن أي نص يتضمن كلمة "مطرقة" في سياق فلكي، ثم انتزعها من موضعها وأعاد توظيفها على هواه
الادعاء الثالث: أن النجم النابض يُصدر أشعة غاما ثاقبة وموجات جاذبية ثاقبة
والردّ على هذا الادعاء يسير: فهذه الأشعة والموجات لا "تثقب" الأجسام بل تنفذ من خلالها، وبين الأمرين فرق جوهري. فالضوء ينفذ من خلال الزجاج دون أن يثقبه، وكذلك هذه الأشعة. أما كلمة "يثقب" فلا تُستعمل في العربية إلا للدلالة على إحداث فتحة في جسم صلب، لا لوصف موجة تمر عبره.
ولا تقف مغالطات الإعجازيين عند هذا الحد؛ فزغلول النجار ذهب إلى أن النجم ثاقب لأنه "يثقب صمت الفضاء بطرقاته"، وهو قول يفتقر إلى أدنى سند علمي، إذ إن الموجات الصوتية لا تنتقل في الفراغ أصلاً، فلو أصدر النجم أصواتاً فلن تتجاوز محيطه، ولن تبلغ أحداً، ولن تثقب شيئاً.
والأجدى من الخوض في هذه التأويلات المتهافتة أن نعود إلى النص القرآني نفسه؛ فقد وصف القرآن الكريم في موضع آخر الشهاب بأنه "ثاقب" للشياطين،
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (الصافات: 10)
والقرائن السياقية تدعم هذا المعنى وتُرجّحه، فيكون أولى من كل ما يسوقه الإعجازيون.
هامش: ومما يزيد الأمر طرافةً أنه لو افترضنا جدلاً إمكانية انتقال الصوت في الفضاء، لما كان ثمة صمت يُثقَب أصلاً؛ إذ تُصدر النجوم بوجه عام أصواتاً شبيهة بالنغمات الموسيقية جراء حركة الغازات في أجوافها. وقد ذهب بعض الإعجازيين إلى أن هذا هو المقصود بـ"الطارق"، مستندين إلى ما جاء في القاموس المحيط من أن الطرق قد يعني العزف: "وكلُّ صَوْتٍ أو نَغْمَةٍ من العودِ ونحوِهِ: طَرْقٌ على حِدَة". غير أن هذا الاستدلال واهٍ لأن القاموس المحيط معجم متأخر من القرن التاسع الهجري، انفرد بهذا الاستعمال دون سائر المعاجم.
والعبرة من هذا كله أن الكون من الاتساع بحيث يمكن لأي وصف أن يجد له نظيراً في ظاهرة ما؛ فمن بحث عن المطرقة وجدها، ومن بحث عن الجرس وجده، ومن بحث عن العزف وجده. أما الاكتفاء بالتشابه السطحي دليلاً فمنهج لا يُنتج معرفة، بل يُنتج ما يريد أصحابه إثباته ابتداءً.
هذا المقال منقول بتصرف وترتيب ومراجعة من مستر مدقق
مقالات ذات صلة
حين يُحمَّل النص ما لا يحتمل: إعجاز البطون الثلاثة في سورة النحل
خرافة الإعجاز في حديث الطاعون | هل سبق الإسلام إلى اكتشاف الحجر الصحي فعلًا؟
سبأ وعبادة الشمس: هل أخبر القرآن بسرّ تاريخي مجهول؟